رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لـ باستيت: العراق ساحة للحرب الأمريكية ضد ايران

حرب إيران
حرب إيران

في أعقاب اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير أعيد إدماج العراق بصورة مكثفة ضمن ديناميات الصراع الإقليمي، ليس فقط كحيز جغرافي متأثر، بل كمساحة تشغيلية رئيسية لتفاعلات الردع غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران. وقد تجلّى ذلك في تصاعد نمط الضربات المتبادلة داخل المجال العراقي، حيث اتجهت الولايات المتحدة إلى استهداف مواقع وتمركزات الفصائل المسلحة الموالية لإيران –بما في ذلك بعض الانتشارات داخل إقليم كردستان– في إطار سعيها لتقويض البنية العملياتية لهذه الفصائل ومنع استخدامها كأدوات ضغط على الوجود الأمريكي.

إيران  و توسيع نطاق استجابتها غير المباشرة عبر استهداف مصالح أمريكية داخل العراق

في المقابل، اعتمدت إيران على توسيع نطاق استجابتها غير المباشرة عبر استهداف مصالح أمريكية داخل العراق، شملت هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت قواعد عسكرية تضم قوات أمريكية، فضلًا عن محيطات دبلوماسية، بما يعكس توظيف الساحة العراقية كمنصة لإعادة ضبط معادلات الردع دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة شاملة.

 

وفي هذا السياق، لا يعكس تموضع العراق مجرد كونه ساحة لحروب بالوكالة، بل يكشف عن اختلال أعمق في بنية الدولة، حيث تتعرض السيادة لعملية تآكل تدريجي نتيجة تعدد الفاعلين المسلحين وتضارب شبكات الولاء، بما يقوض احتكار الدولة لاستخدام القوة ويعيد تشكيل العلاقة بين السلطة الرسمية ومراكز النفوذ الموازية. ومن ثم، يبرز تساؤل تحليلي حول طبيعة الدور الذي تضطلع به الحكومة العراقية في ظل هذه البيئة المركبة: هل ما تزال قادرة على اتخاذ قرار استراتيجي مستقل، أم أنها انزلقت إلى نمط إدارة الأزمات الناتجة عن تفاعلات خارجية تتجاوز قدرتها على الضبط؟

 

انطلاقًا من ذلك، يفترض هذا التقرير أن العراق يشهد تحولًا من نموذج "الدولة الهشة" إلى نمط أكثر تركيبًا يمكن توصيفه بـ"الدولة المُديرة للأزمات"، حيث تنحصر وظيفة الحكومة في احتواء تداعيات التصعيد والتكيف مع مخرجاته، بدلًا من التحكم في مساراته، وذلك في ظل تصاعد دور الفصائل المسلحة كفاعلين شبه مستقلين، وتكثيف أنماط الانخراط الإقليمي والدولي داخل المجال العراقي.

 

الإطار المنهجي:

 

ينطلق هذا التقرير من مقاربة مركبة تجمع بين أدبيات الدولة الهجينة (Hybrid State) ونظريات حروب الوكالة (Proxy Warfare)، وذلك بهدف تفسير التحولات البنيوية التي يشهدها العراق في ظل التصعيد الإقليمي الراهن. فوفقًا لأدبيات الدولة الهجينة، لم تعد الدولة تحتكر أدوات العنف المشروع بصورة كاملة، بل تتقاسمها مع فواعل دون الدولة، وعلى رأسها الجماعات المسلحة ذات الارتباطات العابرة للحدود، وهو ما يخلق أنماطًا متداخلة من السلطة والسيادة (Mansour & Jabar، 2026).

 

وفي الحالة العراقية، يتجلى هذا النمط بوضوح في تعدد مراكز القوة المسلحة، حيث تعمل الفصائل المرتبطة بإيران ليس فقط كامتدادات أيديولوجية أو أمنية، بل كفاعلين يمتلكون قدرة مستقلة على التأثير في معادلات الردع داخل المجال العراقي. وهو ما يتقاطع مع مفهوم "السيادة التنافسية" (Competitive Sovereignty)، حيث تتنازع الدولة الرسمية والفواعل المسلحة على التحكم في القرار الأمني والاستراتيجي (ICG، 2026).

 

بالتوازي، يوظف التقرير إطار حروب الوكالة لفهم كيفية انتقال الصراع الأمريكي–الإيراني إلى الداخل العراقي، ليس عبر مواجهة مباشرة، بل من خلال استخدام وكلاء محليين وأدوات ضغط غير تقليدية. ففي هذا السياق، تعتمد الولايات المتحدة على استهداف الفصائل المسلحة الموالية لإيران باعتبارها أدوات تهديد غير متماثلة، في حين تستخدم طهران هذه الفصائل –إلى جانب الهجمات غير المباشرة– كآلية لإعادة ضبط توازن الردع دون الانخراط في حرب مفتوحة (مركز الأهرام، 2026).

 

وتسهم هذه التفاعلات في إعادة تعريف موقع العراق، ليس فقط كساحة لحروب الوكالة، بل كـ"حيز ردعي متداخل"، حيث تتقاطع استراتيجيات الفاعلين الدوليين والإقليميين داخل حدود دولة تعاني من تآكل نسبي في قدرتها على الضبط والسيطرة.

منهجيًا، يعتمد التقرير على المنهج الوصفي–التحليلي، من خلال تحليل نوعي للتفاعلات العسكرية والسياسية خلال الفترة من أواخر فبراير/شباط حتى منتصف مارس/آذار 2026، مع التركيز على:

• أنماط الضربات الأمريكية ضد الفصائل المسلحة الموالية لإيران داخل العراق.

• أشكال الاستجابة غير المباشرة من جانب إيران، سواء عبر الفصائل أو عبر استهداف مصالح أمريكية.

• سلوك الحكومة العراقية في إدارة التصعيد ومحاولات الاحتواء.

• موقع إقليم كردستان ضمن هذه التفاعلات، باعتباره مجالًا جزئيًا لتقاطع المصالح الأمنية.

 

كما يوظف التقرير أسلوب تتبع العمليات (Process Tracing) لتحليل العلاقة بين تصاعد الضربات المتبادلة وتراجع قدرة الدولة العراقية على التحكم في المجال الأمني، بما يسمح بفهم كيفية انتقالها من فاعل محدود إلى ما يمكن توصيفه بوظيفة "مدير الأزمة" في بيئة صراعية مركبة (Beach & Pedersen، 2019).

 

أولاً: العراق كحيّز لتفاعلات الردع غير المباشر

 

أفضى التصعيد العسكري المرتبط بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران منذ أواخر فبراير/شباط 2026 إلى إعادة تموضع العراق ضمن معادلة الصراع الإقليمي بوصفه حيزًا عملياتيًا لتفاعلات الردع غير المباشر بين واشنطن وطهران. فلم تعد الأراضي العراقية مجرد مسرح ثانوي للصراع، بل تحولت إلى مجال نشط تُدار داخله عمليات عسكرية متبادلة تعكس استراتيجيات احتواء وتوازن قوى دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

 

في هذا السياق، كثّفت الولايات المتحدة من عملياتها العسكرية داخل العراق عبر استهداف مواقع الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، باعتبارها تهديدًا مباشرًا للقوات والمصالح الأمريكية، وهو ما أكدته تقارير حديثة تشير إلى تنفيذ ضربات جوية تستهدف هذه الجماعات في إطار تقويض قدرتها على تنفيذ هجمات غير متماثلة (Reuters، 2026، March 19). وتعكس هذه الاستراتيجية إدراكًا أمريكيًا لطبيعة التهديد الذي تمثله هذه الفصائل باعتبارها امتدادًا وظيفيًا للنفوذ الإيراني داخل المجال العراقي.

 

في المقابل، اعتمدت إيران –بصورة مباشرة وعبر وكلائها– على تكثيف الهجمات غير المباشرة داخل العراق، مستهدفة قواعد عسكرية تضم قوات أمريكية، إلى جانب منشآت ومقار دبلوماسية، بما في ذلك الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي طالت محيط السفارة الأمريكية في بغداد ومواقع عسكرية في الشمال (FDD، 2026). كما امتدت هذه الهجمات إلى إقليم كردستان، الذي يشهد تمركزًا نسبيًا للوجود الأمريكي، ما يعكس محاولة إيرانية لإعادة توزيع الضغط العسكري ضمن نطاق جغرافي متعدد المستويات.

 

وتشير البيانات الميدانية إلى تصاعد وتيرة هذه الهجمات منذ بداية الحرب، حيث شهدت الساحة العراقية عشرات العمليات التي نفذتها فصائل موالية لإيران ضد أهداف أمريكية، في حين ردّت الولايات المتحدة بسلسلة من الضربات الجوية المركزة على مواقع هذه الفصائل (The Guardian، 2026). ويكشف هذا النمط عن تحول العراق إلى ما يمكن توصيفه بـ"حيّز ردعي مفتوح"، تتقاطع داخله استراتيجيات الفاعلين الدوليين والإقليميين في بيئة تتسم بغياب السيطرة الكاملة للدولة.

 

وعليه، لم يعد العراق مجرد ساحة لحروب الوكالة، بل أصبح جزءًا من البنية التشغيلية للصراع ذاته، حيث تُستخدم أراضيه كمنصة لتبادل الرسائل العسكرية وضبط إيقاع التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يعكس تآكلًا متزايدًا في قدرة الدولة العراقية على احتكار المجال الأمني أو التحكم في مساراته.

 

ثانيًا: الفصائل المسلحة وإعادة تشكيل ميزان القوة الداخلي

 

أسهم تصاعد التفاعلات العسكرية المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران في إعادة تشكيل موقع الفصائل المسلحة داخل البنية الأمنية العراقية، حيث لم تعد هذه الفواعل تُختزل في كونها أدوات تنفيذية ضمن استراتيجية إيرانية مركزية، بل باتت تمثل وحدات شبه مستقلة تمتلك قدرات عملياتية وشبكات نفوذ تُمكّنها من التأثير في ديناميات التصعيد داخل المجال العراقي. ويعكس هذا التحول نمطًا متقدمًا من "اللامركزية العملياتية" داخل شبكات الوكلاء، حيث تتباين حسابات الفصائل بين الالتزام بالأجندة الإيرانية والحفاظ على مصالحها المحلية والسياسية (Reuters، Iran spent years fostering proxies in Iraq. Now many aren’t eager to join the war، 2026).

 

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه الفصائل، المنضوية ضمن ما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق" أو ما يسمى بالفصائل الموالية لإيران، كثّفت من هجماتها ضد أهداف أمريكية، بما في ذلك القواعد العسكرية ومواقع الانتشار، مستخدمةً مزيجًا من الطائرات المسيّرة والصواريخ، وهو ما يعكس تطورًا في قدراتها العملياتية واستمرار قدرتها على إلحاق ضغط أمني منخفض الكثافة لكنه مستمر (ACLED، 2026).

 

في المقابل، أدت الضربات الأمريكية المتكررة إلى استهداف البنية التحتية لهذه الفصائل وتقليص بعض قدراتها الميدانية، غير أن هذه العمليات لم تُفضِ إلى تفكيكها، بل أسهمت –في بعض الحالات– في إعادة إنتاج دورها عبر تعزيز خطاب "المقاومة" وتبرير استمرار نشاطها المسلح. كما أن استمرار هذه الفصائل في العمل خارج السيطرة المؤسسية الكاملة للدولة يعكس حدود قدرة الحكومة العراقية على فرض احتكارها لاستخدام القوة، خاصة في ظل امتلاك هذه الجماعات موارد بشرية تُقدّر بعشرات الآلاف وشبكات دعم ممتدة إقليميًا (Vision of Humanity، 2026).

 

وعلاوة على ذلك، تكشف التطورات الأخيرة أن سلوك هذه الفصائل لا يخضع دائمًا لمنطق الانضباط الكامل تجاه الراعي الخارجي، إذ تشير بعض التقديرات إلى تردد عدد من قياداتها في الانخراط في تصعيد واسع النطاق، انطلاقًا من حسابات داخلية تتعلق بالمصالح السياسية والاقتصادية، فضلًا عن إدراكها لكلفة المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة (Reuters، Iran spent years fostering proxies in Iraq. Now many aren’t eager to join the war، 2026).

 

وعليه، فإن الدور المتنامي للفصائل المسلحة لا يقتصر على كونه امتدادًا للنفوذ الإيراني، بل يعكس تحولًا أعمق في بنية السلطة داخل العراق، حيث تتآكل الحدود الفاصلة بين الفاعل الرسمي وغير الرسمي، ويتشكل نمط هجين من توزيع القوة، يقوّض من قدرة الدولة على صياغة سياسة أمنية موحدة أو التحكم الكامل في مسارات التصعيد.

 

ثالثًا: الحكومة العراقية بين الاحتواء وتآكل القدرة على المبادرة

 

في ظل التصعيد العسكري المرتبط بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، اتسم سلوك الحكومة العراقية بنمط تفاعلي يغلب عليه الطابع الاحتوائي، أكثر من كونه سلوكًا استراتيجيًا قائمًا على المبادرة. فقد انحصرت أولويات صانع القرار العراقي في الحد من انتقال الصراع إلى مستوى المواجهة المباشرة داخل الأراضي العراقية، والعمل على تقليل وتيرة الضربات المتبادلة، بالتوازي مع محاولة الحفاظ على توازن دقيق في العلاقات مع كلٍ من الولايات المتحدة وإيران، بما يجنّب البلاد الانخراط في أحد محوري الصراع (مركز الأهرام، العراق في ظل التصعيد الأمريكي–الإيراني: تحديات التوازن وإدارة الأزمة، 2026).

 

غير أن هذا النمط من السلوك يعكس تحولًا وظيفيًا في طبيعة الدولة العراقية، حيث لم تعد الحكومة قادرة على إنتاج سياسات أمنية مستقلة أو فرض رؤيتها على مختلف الفواعل المسلحة، بل باتت تنخرط في إدارة تداعيات تفاعلات خارجية تتجاوز نطاق سيطرتها. وفي هذا السياق، تواجه بغداد قيودًا مركبة؛ فمن جهة، تتعرض لضغوط أمريكية متزايدة تدفع نحو احتواء الفصائل المسلحة الموالية لإيران وتقليص هامش حركتها، ومن جهة أخرى، تصطدم باعتبارات داخلية وسياسية تحول دون الدخول في مواجهة مباشرة مع هذه الفصائل، نظرًا لتشابكها مع بنية النظام السياسي والأمني (المركز المصري، 2026).

 

كما تعكس المواقف الرسمية العراقية –التي تتسم بالحذر والدعوة إلى التهدئة– محاولة لإدارة التوازن بين متطلبات السيادة الوطنية وضغوط البيئة الإقليمية، دون امتلاك أدوات حقيقية لإعادة ضبط المجال الأمني. وهو ما يشير إلى تراجع القدرة على المبادرة الاستراتيجية لصالح نمط من "الإدارة التكيفية للأزمة"، حيث تُختزل وظيفة الدولة في امتصاص الصدمات وتقليل الخسائر بدلًا من توجيه مسارات الصراع.

 

وعليه، يمكن القول إن الحكومة العراقية تتحرك ضمن هامش محدود من الفعل، يفرضه تداخل العوامل الداخلية والإقليمية، بما يجعلها أقرب إلى نموذج "مدير الأزمة" منه إلى "صانع القرار"، في سياق تتآكل فيه تدريجيًا قدرة الدولة على فرض احتكارها لاستخدام القوة أو التحكم في توازنات الأمن الوطني.

 

رابعًا: إقليم كردستان كحيّز لتقاطع التفاعلات الأمنية

 

يمثل إقليم كردستان أحد أبرز مجالات التداخل ضمن بنية التفاعلات الأمنية المرتبطة بالتصعيد الخاص بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، نظرًا لجملة من المحددات الاستراتيجية التي تمنحه موقعًا خاصًا داخل المشهد العراقي. فمن ناحية، يحتضن الإقليم حضورًا عسكريًا ودبلوماسيًا أمريكيًا، ما يجعله جزءًا من منظومة الانتشار الإقليمي للقوات الأمريكية، ومن ناحية أخرى، يتمتع بخصوصية سياسية وأمنية نسبية مقارنة بباقي الجغرافيا العراقية، الأمر الذي يحدّ من انتشار الفصائل المسلحة الموالية لإيران داخله، دون أن يعزله عن تأثيرات الصراع.

 

وفي هذا الإطار، لا يُعد الإقليم ساحة رئيسية لنشاط الفصائل المسلحة، بقدر ما يمثل مجالًا غير مباشر لتقاطع استراتيجيات الفاعلين الإقليميين والدوليين، حيث يدخل ضمن نطاق الحسابات العملياتية المرتبطة بإدارة التصعيد. فوجود المصالح الأمريكية، إلى جانب القرب الجغرافي من إيران، يجعلان الإقليم عرضة لتأثيرات مباشرة وغير مباشرة، سواء من خلال استهدافات محدودة أو عبر إدراجه ضمن نطاق الضغط العسكري غير المباشر.

 

ويعكس هذا الوضع الطبيعة المركبة للسيادة داخل الدولة العراقية، حيث تتباين مستويات السيطرة والضبط الأمني بين الحكومة المركزية في بغداد وسلطات الإقليم، بما يكرّس نمطًا من "تجزئة المجال السيادي"، ويزيد من تعقيد قدرة الدولة على إدارة التهديدات الأمنية بصورة موحدة. وفي ظل هذا التباين، يتحول إقليم كردستان إلى أحد مؤشرات اختلال تماسك البنية السيادية للدولة، خاصة في سياق تصاعد التفاعلات الإقليمية داخل الأراضي العراقية (مركز الأهرام، العراق في ظل التصعيد الأمريكي–الإيراني: تحديات التوازن وإدارة الأزمة، 2026).

 

خامسًا: العراق وتوازناته مع دول مجلس التعاون الخليجي

 

في موازاة تصاعد التفاعلات الأمنية المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران منذ أواخر فبراير/شباط 2026، برزت ملامح توجه عراقي نحو إعادة ضبط تموضعه الإقليمي عبر انفتاح محسوب على دول مجلس التعاون الخليجي، في محاولة لإعادة توازن علاقاته الخارجية وتقليل درجة الاعتماد البنيوي على إيران. وقد تجسد هذا التوجه عمليًا في استمرار التنسيق مع كل من السعودية والإمارات بشأن مشروعات الربط الكهربائي، إلى جانب إعادة طرح ملفات الاستثمار الخليجي في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، باعتبارها أدوات لتعزيز الاندماج الاقتصادي الإقليمي. كما اكتسبت هذه التحركات زخمًا إضافيًا في ظل سعي بغداد إلى تحييد نفسها نسبيًا عن مسارات التصعيد، عبر توظيف علاقاتها الخليجية كمسار موازٍ يحدّ من انكشافها الاستراتيجي (مركز المستقبل، 2026).

 

إلا أن هذا المسار يواجه قيودًا مركبة فرضتها تطورات الحرب الجارية، حيث كشفت الهجمات التي نفذتها فصائل عراقية مرتبطة بإيران على أهداف أمريكية داخل العراق –وخاصة في محيط قواعد عين الأسد وحرير خلال مارس/آذار 2026– عن استمرار تأثير الفاعلين المسلحين غير الرسميين في توجيه البيئة الاستراتيجية العراقية، بما يقوض قدرة الحكومة على تبني سياسة خارجية متوازنة بالكامل. وفي المقابل، تعرضت بغداد لضغوط أمريكية متزايدة لضبط سلوك هذه الفصائل، بالتوازي مع ضغوط إيرانية للحفاظ على مستوى من الانخراط غير المباشر في الصراع، وهو ما وضع صانع القرار العراقي أمام معادلة معقدة بين متطلبات التهدئة الإقليمية واعتبارات التوازن الداخلي (International Crisis Group، 2026).

 

فضلاً عن إسهام التداعيات الأمنية للحرب –بما في ذلك التهديدات المتكررة للمصالح الأمريكية داخل العراق، وإجراءات تعزيز الحماية حول المنشآت الحيوية– في إعادة ترتيب أولويات الحكومة العراقية لصالح البعد الأمني على حساب الأجندة الاقتصادية، الأمر الذي انعكس سلبًا على وتيرة الانفتاح الخليجي. كما أن استمرار تداخل العوامل الخارجية، لا سيما التنافس الأمريكي–الإيراني على الساحة العراقية، حدّ من قدرة بغداد على تحويل هذا الانفتاح إلى استراتيجية مستقرة طويلة المدى.

 

وعليه، يمكن تفسير الانفتاح العراقي على دول مجلس التعاون الخليجي بوصفه مسارًا استراتيجيًا قيد التشكل، يعكس إدراكًا متزايدًا لدى النخبة الحاكمة لأهمية تنويع الشراكات الإقليمية في ظل بيئة صراعية معقدة. غير أن فعالية هذا المسار تظل رهينة بقدرة الدولة العراقية على إعادة ضبط توازناتها الداخلية، واحتواء تأثير الفاعلين المسلحين، فضلًا عن إدارة الضغوط المتعارضة للقوى الخارجية، بما يسمح بتحويل الانفتاح الخليجي من خيار تكتيكي إلى ركيزة بنيوية في سياستها الإقليمية.

 

سادسًا: المسارات المحتملة لتحولات الدولة العراقية في ظل الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران

 

في ضوء التفاعلات السابقة، لا يمكن النظر إلى الحالة العراقية باعتبارها وضعًا ثابتًا، بل كعملية تحول مستمرة تخضع لمحددات داخلية وإقليمية متداخلة. ومن ثم، يمكن استشراف عدد من المسارات المحتملة التي قد تتجه إليها الدولة العراقية في ظل استمرار التصعيد الإقليمي.

 

الاحتمال الأول: ترسّخ نموذج "الدولة المُديرة للأزمات"

 

يمثل هذا المسار الامتداد الأكثر ترجيحًا في المدى القصير، حيث تستمر الدولة العراقية في أداء دورها كفاعل تفاعلي يركز على احتواء تداعيات الصراع بدلًا من توجيهه. وفي هذا السياق، تظل الحكومة معنية بإدارة التوازن بين الضغوط الأمريكية من جهة، والنفوذ الإيراني الممتد عبر الفصائل المسلحة من جهة أخرى، دون امتلاك القدرة على حسم هذا التوازن لصالحها.

 

ويرتبط هذا السيناريو باستمرار:

• تعدد مراكز القوة المسلحة.

• تداخل الأدوار بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين.

• الاعتماد على سياسات التهدئة والاحتواء.

 

بما يعزز من تحول إدارة الأزمات إلى وظيفة دائمة للدولة، وليس استجابة ظرفية (مركز الأهرام، العراق في ظل التصعيد الأمريكي–الإيراني: تحديات التوازن وإدارة الأزمة، 2026).

 

الاحتمال الثاني: تصاعد الانخراط في الصراع وتحول العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة

 

يفترض هذا السيناريو تزايد وتيرة الضربات المتبادلة داخل العراق، سواء عبر تكثيف الاستهداف الأمريكي للفصائل المسلحة، أو تصعيد الهجمات التي تستهدف المصالح الأمريكية، بما يؤدي إلى انتقال العراق من ساحة ردع غير مباشر إلى ساحة مواجهة شبه مباشرة.

 

وفي هذه الحالة، تتراجع قدرة الدولة على الضبط بصورة أكبر، ويتزايد خطر:

• تفكك السيطرة الأمنية.

• اتساع نطاق العمليات العسكرية.

• انخراط فصائل إضافية في التصعيد.

 

وهو ما قد يفضي إلى إعادة إنتاج أنماط عدم الاستقرار التي شهدها العراق في مراحل سابقة، ولكن في سياق إقليمي أكثر تعقيدًا (International Crisis Group، 2026).

 

الاحتمال الثالث: إعادة توازن تدريجي لصالح الدولة

 

يقوم هذا المسار على افتراض حدوث تهدئة نسبية في التصعيد الإقليمي، بما يتيح للحكومة العراقية هامشًا أوسع لإعادة تنظيم المجال الأمني، ومحاولة دمج الفصائل المسلحة ضمن أطر مؤسسية أكثر انضباطًا.

 

ويرتبط تحقق هذا السيناريو بعدة شروط، من بينها:

• تراجع حدة الصراع الأمريكي–الإسرائيلي مع إيران.

• دعم إقليمي لمسار استقرار العراق.

• قدرة الحكومة على توظيف الانفتاح على الخليج اقتصاديًا لتعزيز استقلالها النسبي.

 

ورغم أن هذا السيناريو يظل الأقل ترجيحًا في المدى القريب، فإنه يعكس إمكانية استعادة الدولة لبعض وظائفها في حال تغيرت البيئة الإقليمية المحيطة.

 

وعليه، فإن مستقبل الدولة العراقية يظل مرهونًا بطبيعة تطور الصراع الإقليمي، حيث يتأرجح بين ترسيخ نمط "إدارة الأزمات" كحالة دائمة، أو الانزلاق نحو مزيد من التفكك، أو –بدرجة أقل– إعادة بناء توازن الدولة، وهو ما يعكس الطبيعة المفتوحة وغير المستقرة للتحولات الجارية.

خاتمة

 

تكشف مجمل التفاعلات التي شهدتها الساحة العراقية منذ اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران عن تحول نوعي في طبيعة الدور الذي تؤديه الدولة العراقية داخل بيئة إقليمية شديدة التعقيد. فلم يعد العراق مجرد متلقٍ لتداعيات الصراع، بل أصبح جزءًا من بنيته التشغيلية، حيث تُدار على أراضيه تفاعلات الردع غير المباشر بين الفاعلين الدوليين والإقليميين، بما يعيد تعريف موقعه ضمن معادلة الأمن الإقليمي.

 

وقد أظهر التحليل أن هذا التحول لم يقتصر على البعد الأمني، بل امتد ليطال البنية الداخلية للدولة، في ظل تصاعد دور الفصائل المسلحة كفاعلين شبه مستقلين، وتراجع قدرة الحكومة على فرض احتكارها لاستخدام القوة أو صياغة سياسات استراتيجية مستقلة. وفي هذا السياق، برز نمط من "الإدارة التكيفية للأزمات" بوصفه الوظيفة الأساسية للدولة، بما يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو نموذج "الدولة المُديرة للأزمات"، حيث تُختزل أدوار السلطة التنفيذية في احتواء التداعيات بدلًا من التحكم في مسبباتها.

 

كما أظهرت الدراسة أن هذا النمط يرتبط بتداخل مستويات متعددة من الضغوط، تشمل التفاعلات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران داخل العراق، والتباينات البنيوية في توزيع السيطرة بين المركز والأطراف، فضلًا عن القيود التي تفرضها التوازنات الإقليمية، بما في ذلك محاولات العراق إعادة تموضعه عبر الانفتاح على محيطه الخليجي. غير أن هذه المسارات تظل محكومة بحدود القدرة على إعادة ضبط الداخل، في ظل استمرار تأثير الفواعل المسلحة غير الرسمية.

 

وفي ضوء المسارات المحتملة، يتضح أن مستقبل الدولة العراقية يظل مفتوحًا على عدة اتجاهات، إلا أن المسار الأكثر ترجيحًا يتمثل في ترسخ نمط "إدارة الأزمات" كوظيفة مستدامة، في حال استمرار البيئة الإقليمية الراهنة دون تغيرات جوهرية. وفي المقابل، يظل احتمال إعادة بناء توازن الدولة قائمًا، لكنه مشروط بتحولات أعمق في طبيعة الصراع الإقليمي، وبقدرة الداخل العراقي على إعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والفواعل المسلحة.

 

وعليه، فإن التحدي الرئيسي الذي يواجه العراق لا يتمثل فقط في احتواء تداعيات الصراع، بل في إعادة تعريف دوره كفاعل قادر على استعادة قدر من الاستقلال الاستراتيجي، وهو ما يتطلب تجاوز نمط "إدارة الأزمات" نحو إعادة بناء مقومات الدولة بوصفها إطارًا منظمًا للسلطة والسيادة، لا مجرد وسيط لتخفيف حدة التفاعلات الصراعية التي تُدار على أراضيه.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء