شهدت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران تصعيدًا غير مسبوق في نمط العمليات، حيث تحولت الاغتيالات من أداة تكتيكية محدودة إلى سلاح مركزي في إدارة هذا الصراع منذ اللحظة الأولى. فمنذ الضربة الافتتاحية للحرب، التي أسفرت عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في عملية مشتركة، دخلت المواجهة مرحلة جديدة تقوم على استهداف رأس النظام وبنيته القيادية بشكل مباشر.
وخلال أقل من ثلاثة أسابيع، تواصل هذا النمط بوتيرة متسارعة، حيث طالت عمليات الاغتيال عددًا كبيرًا من قيادات الصف الأول داخل الدولة، من بينهم شخصيات سياسية وأمنية وعسكرية بالغة التأثير، في إطار ما يبدو أنه استراتيجية ممنهجة لتفكيك مراكز القوة داخل النظام الإيراني أو على الأقل إضعافها إلى الحد الذي يسمح بإعادة تشكيلها.
ومع تزايد التقارير عن استهداف شخصيات جديدة، من بينها وزير الاستخبارات، لم يعد السؤال المطروح هو فقط حول حجم الخسائر التي يتكبدها النظام، بل حول دلالات هذا الاختراق الاستخباراتي العميق، وما إذا كان يمثل مقدمة لإضعاف النظام أو إعادة تشكيله من الداخل، أو مزيجًا من الاثنين معًا.
تكشف طبيعة الأهداف التي جرى استهدافها عن مستوى متقدم للغاية من الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي. فالوصول إلى شخصيات بهذا الثقل، وفي مواقع يُفترض أنها الأكثر تحصينًا، يعكس قدرة عالية على جمع المعلومات وتنفيذ العمليات داخل عمق الدولة الإيرانية. ولم تقتصر هذه العمليات على القيادات العسكرية، بل امتدت إلى دوائر صنع القرار السياسي والأمني، وهو ما يضفي عليها بعدًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد إضعاف القدرات القتالية، ليطال بنية النظام ذاته وآليات عمله.
لكن الأثر الأهم لهذه العمليات لا يكمن فقط في الخسارة المباشرة للقيادات، بل في ما تخلقه من فراغات داخل مراكز صنع القرار. فشخصية محورية مثل علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، لم تكن مجرد مسؤول رفيع المستوى، بل كانت تمثل نقطة توازن بين أجنحة مختلفة داخل النظام. ومع غياب قيادة بهذا الثقل، يزداد احتمال اختلال هذا التوازن، بما قد يفتح المجال أمام أطراف أكثر تشددًا داخل الجناح الأمني والعسكري، وعلى رأسها الحرس الثوري، للانفراد بإدارة المشهد من خلف الكواليس.
ويكتسب هذا الاحتمال أهمية إضافية في ظل الغموض الذي يحيط بوضع المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر حتى الآن، مع تزايد الحديث عن تعرضه لإصابات بالغة خلال عملية اغتيال والده. وإلى جانب ذلك، فإن صعوده نفسه جاء بدعم واضح من الحرس الثوري، ما يعزز من فرضية خضوعه بدرجة كبيرة لتأثيره في إدارة شؤون الدولة خلال هذه المرحلة.
وفي هذا السياق، لا تمثل الاغتيالات مجرد استهداف للأفراد، بل استهدافًا غير مباشر للتركيبة المعقدة التي يقوم عليها النظام الإيراني، والتي تعتمد على توازن دقيق بين مؤسسات متعددة وشرائح مختلفة من النخبة الحاكمة، تشمل رجال دين، وقادة عسكريين، ونخبًا سياسية مدنية، وتيارات محافظة ومتطرفة وأخرى أكثر اعتدالاً أو براغماتية.
ورغم جسامة الضربات، فإن الحديث عن انهيار وشيك للنظام الإيراني لا يزال مبالغًا فيه. فالتجارب تشير إلى أن الأنظمة ذات الطابع الأيديولوجي والمؤسسي العميق لا تسقط بسهولة عبر استهداف قياداتها، بل تميل إلى إعادة إنتاج نفسها في صور جديدة. لكن في المقابل، فإن استمرار هذا النمط من الاستهداف، الذي بدأ باغتيال رأس النظام نفسه، قد يدفع إيران نحو نموذج أكثر انغلاقًا، وأشد اعتمادًا على المؤسسة العسكرية والأمنية، لاسيما الحرس الثوري، مع تراجع نسبي في أدوار مراكز الثقل السياسية والدينية التقليدية، مما قد يؤثر علي استقرار وحتي استمرارية النظام علي الأمد المتوسط أو البعيد
يعكس هذا النمط من العمليات تفوقًا واضحًا على المستوى الاستخباراتي والعملياتي لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقيق نصر استراتيجي حاسم. فالقدرة على اغتيال القيادات، بما في ذلك أعلى سلطة في الدولة، لا تعني بالضرورة القدرة على فرض نتائج سياسية نهائية، خاصة في مواجهة نظام يمتلك بنية عميقة وأدوات متعددة للتكيف والاستمرار.
وفي ضوء ذلك، تبدو حرب الاغتيالات أداة لإعادة هندسة النظام الإيراني أكثر من كونها وسيلة لإسقاطه. فهي من جهة تُضعف بنيته وتربك آليات عمله، في محاولة لدفعه نحو تقديم تنازلات تلبي الشروط الأمريكية لإنهاء الحرب، لكنها من جهة أخرى قد تدفعه إلى مزيد من التماسك والتشدد، والاقتراب من خيارات صفرية، وهو ما قد يطيل أمد الصراع ويجعل كلفته أعلى على جميع الأطراف.
وهنا يتبدى المأزق الحقيقي لواشنطن الذي بتمثل في المفاضلة بين خيارات صعبة، فإما الاضطرار في مرحلة ما للقبول بتسوية لا تحقق كامل الأهداف المعلنة، مما قد يُنظر إليه كإخفاق استراتيجي، أو المضي نحو تصعيد أوسع، وهو ما تدفع نحوه إسرائيل، قد يشمل عمليات برية، أو فرض حصار بحري، أو استهدافًا أوسع للبنية التحتية، وهي خيارات تنطوي على مخاطر كبيرة، من بينها إمكانية انهيار الدولة الإيرانية، بما يشكله هذا السيناريو من خطر جسيم ليس فقط على استقرار المنطقة، بل على المصالح الأمريكية نفسها.
وفي المحصلة، من الوارد ألا تنجح هذه الحرب في إسقاط النظام الإيراني، لكنها بكل تأكيد ستحدث به تغيرات. غير أن هذا التغيير قد لا يكون بالضرورة في الاتجاه الذي تريده واشنطن، بل ربما يؤدي إلى ولادة نظام أكثر تشددًا، خاضع بدرجة أكبر لنفوذ المؤسسة العسكرية المؤدلجة، وأقل قابلية للاحتواء. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فمحاولة تفكيك النظام قد تنتهي بإعادة تشكيله على نحو يجعله أكثر تشددًا وربما أكثر خطورة، حتى وإن أصبح أضعف من حيث الإمكانات العسكرية والنفوذ الإقليمي.