رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مشروع "ميدان": الوجه الجديد للعنف الإخواني تحت غطاء الحراك الشعبي

عنف جماعة الإخوان
عنف جماعة الإخوان - أرشيفية

كشفت الدراما المصرية، ممثلة في مسلسل "رأس الأفعى"، جانبًا بالغ الأهمية من  تصاعد المواجهات غير التقليدية التي تستهدف الدولة الوطنية وتتداخل فيها الشائعات، والحرب النفسية، وإعادة إنتاج الفوضى عبر شبكات منظمة تعمل في الظل، عبر مساحات أكثر تعقيدًا، وأدوات أكثر خبثًا، تستهدف تفكيك الوعي الجمعي، وضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، والتي تجلت فيما يُعرف بمشروع "ميدان"، الذي يمهد لإعادة تدوير العنف تحت غطاء الحراك الشعبي، مستفيدًا من خبرات تراكمت عبر سنوات من العمل السري والتنظيمي، ومنظومة تدريب وتأهيل تمتد خارج الحدود.

وقد اكتسبت جماعة الإخوان خبرة طويلة في مجال الشائعات عبر الحكومات والأنظمة المختلفة، وتوظيفه تحت مسمى "سيكولوجية التأثير النفسي"، للاستفادة من تأثيره في تحقيق سيناريوهات الفوضى الممنهجة، و"تفكيك الظهير الشعبي"، والتركيز على خفض الروح المعنوية، بعد فشل المشروع المسلح في ظل قوة الأجهزة الأمنية المصرية وقدرتها على تدمير بنيتها الاقتصادية والتنظيمية.

  رضا فهمي مؤسس حركة ميدان الإرهابية 
  رضا فهمي مؤسس حركة ميدان الإرهابية 

 فمازالت قيادات جماعة الإخوان تتمتع بالغباء السياسي، وتراهن على اتباعها من الإسلام السياسي، وتقييم الأوضاع بما يتوافق مع توجهاتها الفكرية، وتتجاهل الصورة الكاملة، التي تبرز مساوئها وفشلها في رفضها الشعبي وسقوطها السياسي، وارتباكها الفكري، وتخبطها وانقسامها التنظيمي، وفضائحها المالية والغير أخلاقية.

فقد تم استدعاء ما يعرف بمجموعة "التيار الثالث" أو "تيار التغيير "، التي أطلقت مشروعًا جديدًا بهدف زعزعة الاستقرار الداخلي في الشارع المصري، تحت مسمى "مؤسسة ميدان"، تتبنى فيه المنهجية الثورية المسلحة، ويتزعمها القيادي الإخواني الهارب رضا فهمي، ويحيى موسى، المتهم الرئيسي في التخطيط لاغتيال النائب العام المستشار هشام بركات، والإخواني محمد منتصر، المتحدث الرسمي للجان النوعية المسلحة.

مشروع "ميدان"، تم التخطيط لأهدافه ومراحله داخل "المعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية"، الذي تم تأسيسه في اسطنبول عام 2014، وأكاديمية تسمى "العلاقات الدولية"، التي يشرف عليها القيادي الإخواني عصام عبد الشافي، وتأسست عام 2017، في منطقة يني بوسنا في مدينة إسطنبول، وتتولى تدريب شباب الجماعة على دورات الاستخبارات وأمن المعلومات والجماعات، وتقنيات التجنيد في العمليات الخاصة والاتصال الشخصي والاتصال بالجماهير، وحروب العصابات والحرب النفسية وحرب الشائعات.

يعتمد المشروع على مدخل فكري تمت صياغته في كتاب " سبيل الرشاد.. معالم طريق التحرر الإسلامي"، الصادر في يناير 2025، لمحمد الهامي، ويروج لمشروع "السيطرة على السلطة في الدولة المصرية"، من خلال صناعة "انفجار شعبي" مدفوع بإطار تنظيمي.

محمد الهامي عضو حركة ميدان الإرهابية
محمد الهامي عضو حركة ميدان الإرهابية

يستهدف مشروع "ميدان" بناء روابط داخل المناطق والأحياء والجامعات ودائر من أتباع "الإسلام الثوري"، وفي مقدمتهم جامعة "الأزهر"، تتواصل فيما بينها عن طريق البرامج المشفرة- على حد زعمهم-، تمهيدًا للحشد الجماهيري وتحقيق مخططهم في صناعة "انفجار وغضب شعبي"، ويعمل على استقطاب مختلف استقطاب دوائر الأصوليين والإسلام السياسي، وفي مقدمتهم التيارات السلفية التي تحالف من قبل في بناء "تحالف دعم الشرعية"، عقب سقوط حكم المرشد في يونيو 2013.

الخيار الأهم في أجندة مجموعة "ميدان"، فرض الجماعة ومشروعها بالقوة وباستخدام العنف، والاعتماد على التوجهات الفكرية لسيد قطب، فضلًا عن تحالفها مع رموز "الجبهة السلفية"، أمثال أحمد مولانا، (أحد تلاميذ رفاعي سرور)، ومحمد الهامي (أحد المروجين لمشروع " العثمانيون الجدد)، والتي تعتبر من التنظيمات الداعمة لسياسات العنف والتكفير داخل القاهرة، وقد دعت من قبل إلى "انتفاضة الشباب المسلم"، في 28 نوفمبر 2014.

تسعى مجموعة "ميدان" تحت لافتة مشروعها الفوضوي، النيل من الدولة المصرية ومؤسساتها تحت غطاء ثقافة المعارضة أو محاولة لكسب مساحة بعيدًا عن الخطاب الأيديولوجي الإخواني، واللعب على وتر القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وتهيئة الوضع لخلق وصناعة بيئة اضطرابية، على غرار مرحلة ما قبل أحداث عام 2011، مع الترويج كذبًا لموافقة النظام السياسي على سيناريو "تهجير أهالي غزة"، في إطار استغلال "القضية الفلسطينية"، في دعم موقفها وأهدافها.

تعتبر خلية "ميدان"، أن التغيير المطلوب يتمثل في ضرورة والخروج على النظام السياسي للوصول إلى السلطة واجراء تغيير سياسي واجتماعي، مستخدمة شعارات "المظلومية المجتمعية"، وفشل النظام في تلبية احتياجات المواطنين، وأن "التعامل الخشن" يمثل أحد حلول المشهد، ومن تضع على قائمة أولوياتها تنفيذ عمليات مسلحة، لا سيما أنه هذه المجموعة وتبنت فكرة العمل المسلح، ودعمت ومولت وخططت لغالبية العمليات الإرهابية التي تمت في العمق المصري منذ يونيو 2013 وحتى عملية تفجير معهد الأورام في أغسطس 2019، انتهاء بخلايا الترويج للشائعات من داخل القاهرة في 2020.   

يحيى موسي عضو حركة ميدان الإرهابية
يحيى موسي عضو حركة ميدان الإرهابية

لا تتبنى خلية "ميدان"، الإرهابية نظرية "التغيير من أسفل"، من خلال تجهيز قواعد تنظيمية جديدة، والهيمنة على مؤسسات الدولة أو التأثير في العقل الجمعي للمجتمع، سعياً في الوصول إلى مرحلة "التمكين"، وإعادة الجماعة إلى قمة المشهد السياسي والاجتماعي والدعوي، لكنها تؤمن بنظرية "التغيير من أعلى" أو استراتيجية المدرسة الثانية التي طرحها سيد قطب، من خلال الاشتباك مع النظام السياسي، والإعداد والتجهيز لحراك مسلح أو انفجار شعبي في مختلف قطاعات الدولة.

تضع خلية "ميدان"، الإرهابية السيناريو السوري، في قائمة أجندتها وتمرير سيناريو الاستيلاء على السلطة على يد "أبو محمد الجولاني" أو أحمد الشرع، المناهض للدولة الوطنية، والقائم على المفاهيم المؤسسة لـ"الإسلام الثوري"، لا سيما أن الإدارة الأمريكية ليست لديها أية موانع من اعتلاء الأصوليين لمقاليد السلطة، فضلًا عن توظيف مكونات "الإسلام السياسي" بشكل كبير في فترات تولي ترامب للإدارة الأمريكية.

طرحت خلية "ميدان"، من قبل، تقييمًا متعلقًا بالداخل التنظيمي لجماعة الإخوان، تحت مسمى "الرؤية"، في 28 صفحة، على 4 محاور أهمها: "غياب ترتيب الأولويات، وعلاقة التنظيم بالدولة، والممارسات الحزبية، والشرعية الثورية"، وضمت المحاور 17 نقطة، أبرزها غياب مشروع سياسي متكامل للتغيير، عجز الجماعة عن إدارة وتحليل المعلومات، فضلاً عن التداخل الوظيفي بين الحزبي التنافسي والدعوي التنظيمي، وعدم الجاهزية السياسية للجماعة، وفشلها في صناعة وتطوير القيادات والكوادر الحزبية.

التحركات المشبوهة لخلية "ميدان" الإرهابية تتقابل مع تصريحات ديفيد هيرست David Hirst، رئيس تحرير موقع East Eye Middle، البريطاني، حول ما عرف بـ"خطة الربيع العربي" الثانية، أو "الخريف العربي الجديد"، معتبرًا أن دول المنطقة العربية مقبلة عن انفجارات قادمة، لا سيما في مصر وتونس والأردن والعراق.

ذهب ديفيد هيرست، في تحريضه إلى أن فكرة "الثورات الملونة" لم تحقق أهدافها مع الدول العربية في عام 2011، وأن قادة الحراك الثوري في مصر وتونس لم يكونوا ثوريين بما يكفي، وأنها أخطأت في عدم تبني "القوة المسلحة"، وأن الظروف الراهنة تمنحهم بلا شك فرصة التفكير مرة أخرى في تنفيذ الحراك الثوري.

اعتبر ديفيد هيرست الذي يمثل قلمًا داعمًا بقوة لاستمرار استراتيجية وصول تيارات الإسلام السياسي إلى الحكم، في مقاله على موقع (Middle East Eye) عام 2021، (التابع لمؤسسة "إنتربال" بلندن، المملوكة للقيادي، أنس التكريتي، أحد رجالات التنظيم الدولي)، من أن الطغاة ربما انتصروا في معركة "الربيع العربي"، لكن الصراع والمواجهة لم تنته بعد.

حالة العدوي الثورية التي طرحها هيرست، وليس تصديرها أو نقلها، سبقه فيها القيادي العسكري وزعيم تنظيم "القاعدة"، سيف العدل، في وثائقه التي نشرتها مؤسسة "السحاب"، الذراع الإعلامية لتنظيم "القاعدة" في سبتمبر 2020، حول الثورات المسلحة في المنطقة العربية، والتي تناولت تقييم المشهد في الداخل المصري وتجربة جماعة الإخوان، وأسباب سقوطها المدوي.

محمد منتصرعضو حركة ميدان الإرهابية
محمد منتصرعضو حركة ميدان الإرهابية

لا ينكر أحد أن جماعة الإخوان تعيش أسوأ مراحلها التاريخية منذ تأسيسها على يد حسن البنا عام 1928، إذ أن غالبية الأزمات التي لحقت بها تدور في فلك الصدام والصراع مع النظم السياسية، في إطار مظلومية استثمرتها في الحصول على مكاسب شعبية وسياسية واجتماعية، لكنها الآن في موضع مختلف تمامًا بعد أن ضربت الخلافات صفوفها الداخلية وأضحى التمرد التنظيمي بين قواعدها ثمة أساسية، فنالت قدرًا من الانشقاقات التي زلزلت كيانها، متمثلة في ثلاثة جبهات تدّعي كل واحدة منها أنّ قائدها ممثلا للقائمة بأعمال المرشد، وفي مقدمتهم "جبهة لندن"، والمسؤول ويتزعمه حاليا صلاح عبد الحق، بعد رحيل نائب المرشد إبراهيم منير، و الثانية "جبهة إسطنبول"، ويتزعمها محمود حسين الأمين العام السابق للجماعة، والجبهة الثالثة " تعرف بـ"المكتب العام"، أو "تيار التغيير".

وتعود جذور تيار "المكتب العام" إلى عام 2015، حين طرح القيادي محمد كمال فكرة يصفها بـ "الفعل الثوري"، المرتكز على ركيزتين أساسيتين: "العقاب" و"جبهة المقاومة الشعبية"، وترى قيادات هذه الجبهة أن مشروع "ميدان"، يمثل نقطة التقاء بين خبرات الجماعة التنظيمية والتجارب الجهادية المسلحة.

وعقب سقوط الجماعة في 30 يونيو2013، اتجهت لما يسمى بـ"فقه الاستضعاف"؛ وهي مرحلة يتحول فيها التنظيم من "الخلايا الهيكلية"، إلى "الخلايا العنقودية"، سعيا في تفكيك الجبهة الداخلية للدولة المصرية، وزعزعة استقرارها، عبر ثلاثة مسارات "الجهاد المسلح"، و"الجهاد السياسي"، و"الجهاد الإعلامي"، وعلى مدار السنوات الأخيرة لم تتوقف محاولات التنظيم الإرهابي لبث الفوضى بالداخل المصري، واستغلال الأحداث لإعادة الجماعة المطرودة بأمر الشعب إلى المشهد السياسي، لكنه دائما ما يفشل في تحقيق مآربه "التخريبية" بفضل "يقظة" الأجهزة الأمنية ووعي الشعب المصري.

وقد تعاملت الأجهزة الأمنية المصرية بقدرة عالية وبالغة الدقة في القضاء على الجناح المسلح لجماعة الإخوان وغيره من مكونات الحركات الأصولية المسلحة وفقًا لاستراتيجية تفكيك الأجنحة وتدمير البنية التنظيمية، والقضاء على الخلايا الكامنة، وتجفيف منابع التمويل والسلاح، في إطار خطة مكافحة الإرهاب العابر للحدود والقارات.

وفي الجهة الأخرى يتمتع الشارع المصري حاليًا بمناعة قوية ضد الانسياق خلف مشاريع وأهداف جماعة الإخوان، ومحاولاتها استبدال هوية الدولة ومرجعيتها الفكرية والثقافية، ويدرك كذلك حجم مخاطر الوقوع في براثن الفوضى والتفكك والسيولة الأمنية والسياسية، بعد تجربته المريرة مع أحداث "الربيع العربي".

رهانات الإخوان على صناعة "انفجار شعبي" تبدو أقرب إلى أوهام سياسية متكررة، تصطدم بواقع مختلف، تشكل بعد تجربة قاسية مع الفوضى، وأصبح أكثر إدراكًا لمخاطر السقوط في سيناريوهات التفكك والانهيار، وبين دراما تكشف، وواقع يواجه، تظل الحقيقة الثابتة أن الدولة التي نجحت في إسقاط مشروع العنف، وظلت قادرة كذلك على إفشال محاولات إعادة تدويره، مهما تنوعت أدواته وتبدلت وجوهه.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء