رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت



ترسّخ في وعينا طويلًا أن دول ما يُعرف بـ"العالم الثالث"، مهما حقق بعضُها من تقدم عسكري ورفاه اقتصادي، ما تزال بحاجة إلى شوط طويل حتى تلحق بركب الدول المتقدمة. وكان السبب الذي كثيرًا ما يُطرح لتفسير هذا الفارق هو امتلاك الدول المتقدمة منظومة أخلاقية، يتصدرها احترام حقوق الإنسان وصون حياته وحريته، دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو اللون...
في المقابل، ظل كثيرون في الشرق ينظرون بإعجاب إلى هذه المنظومة، ويسعون إلى البحث في سبل ترسيخها داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية. وانخرط المفكرون في نقاش حول الطريق الأنسب لتحقيق ذلك.

 

 فذهب فريق إلى أن الاقتداء بالتجربة الغربية يقتضي تحييد الدين عن المجال العام. بينما رأى فريق آخر أن الدين نفسه يمثل مصدرًا أصيلًا للقيم الأخلاقية التي يتباهى بها الغرب، وأن العودة إليه هي الطريق الأجدر لترسيخ تلك القيم.
ومع مرور الوقت احتدم الجدل بين الطرفين، وأصبح هذا الجدال سمة من سمات الحياة الثقافية في عالمنا العربي. غير أن تطورات الواقع الدولي دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في المسلمات التي طالما بدت راسخة. فقد تكشف تدريجيًا أن القيم التي رُفعت شعاراتٍ عالمية، مثل المساواة ورفض التمييز، لا تُطبَّق دائمًا على الجميع بالمعايير نفسها. وبدا لكثيرين أن الشعارات التي تتحدث عن حماية الإنسان، مهما كان دينه أو لونه أو عرقه، تصطدم في التطبيق العملي باعتبارات سياسية وانتقائية. وهكذا استيقظ كثيرون على حقيقة مُرّة مفادها أن هذه المبادئ لا تُمارَس بالقدر ذاته مع كل الشعوب، وأن الخطاب الحقوقي العالمي ينطوي أحيانًا على ازدواجية في المعايير تقوّض رسالته الأخلاقية.

 


وفي السياق نفسه، ترسخ لدى أجيالٍ كاملة أن دول العالم المتقدم تقوم على منظومة سياسية ركيزتها فكرة الديمقراطية وفكرة احترام القانون الدولي. غير أن تطورات المشهد الدولي كشفت أن هذه الأفكار كثيرًا ما تخضع لاعتبارات القوة والنفوذ. فكلما ازداد نفوذ الدولة وقوتها، تراجع في كثير من الأحيان مستوى مساءلتها عن خرق القواعد التي يفترض أنها تحكم النظام الدولي. 
وهنا يبرز السؤال الجوهري: من يُحجِّم الآخر؟ هل القانون، باعتباره ثمرة فكرٍ إنساني راقٍ، هو القادر على كبح جماح القوة؟ أم أن القوة، هي التي تُحجِّم الفكر وتطوِّع القانون لإرادتها؟ 

 


تكشف قراءة التاريخ أن الصراع بين القوة والفكر هو صراع قديم رافق مسيرة الإنسانية منذ بداياتها. وفي العصور التي انتصرت فيها القوة المجردة خيّم الظلام على الأرض، وسادت القسوة والاضطراب. أما حين انتصر الفكر، فقد أشرقت الدنيا بنور القيم، وشعر الإنسان بشيء من الطمأنينة وراحة البال.

 


لكن التحولات التي شهدها العالم خلال القرن الأخير أظهرت صورة أكثر تعقيدًا لهذا الصراع. فقد بدا أن الفكر والقوة يسيران معًا في الطريق ذاته، بل بدا الفكر، في بعض الأوقات، كأنه نواة داخل بنية القوة نفسها. غير أن القوة، بطبيعتها التي لا تعرف الشبع، سرعان ما ابتلعت هذه النواة، وأقصت خصمها القديم، لتظهر وكأنها المتحكم الأوحد في مسار العالم، وأخذت تفرض حضورها في كل مجال: فالشعراء ينسجون حولها الأساطير، والمفكرون يضعون لها فلسفات تبرر سطوتها، وحتى الوجدان الإنساني قد ينجذب أحيانًا إلى بريقها. ومع هذا الإجماع غير المعلن، تمضي القوة في الأرض متبخترة، تستعرض عضلاتها كأنها مصارع متغطرس يقف في قلب العالم، وفي كل موضع تطؤه قدماه يترك أثرًا لسطوته، لكنه نادرًا ما يترك خلفه أثرًا من جمال الروح أو بركة القيم.

 


ومع مرور الزمن يبدأ الناس، بوعي أو من دونه، في الدوران حول هذا الصنم المتحرك ذي العضلات الغليظة، ومع هذا الدوران يتراجع الفكر وتخبو القيم، حتى يكاد الإنسان يُختزل في غريزتين بدائيتين: معدةٍ تأكل، ويدٍ تضرب. 

 


ورغم كل ما يحدث في العالم، فإنني أتمسك بتفاؤل كبير، وأرى أن هذه الحروب ليست سوى نهاية حقبة من الإنسانية مصطبغة بالصبغة الحيوانية، وبداية انتفاضة فكرية وقيمية يرتفع فيها الفكر من ثباته العميق، وتُستعاد مكانته في قيادة مسار الحضارة. ومن هنا ينبغي استعداد عالمنا العربي والإسلامي لهذه المرحلة الجديدة، فقد حان الوقت لإظهار قيمنا الحقيقية التي يمكن أن تكون نموذجًا وركيزة لنهضة إنسانية شاملة تحقق السلام والعدالة للجميع.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء