رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الولاء والبراء إلى العزلة المجتمعية.. قراءة نقدية للخطاب السلفي

التيارات السلفية
التيارات السلفية في مصر

في عالمٍ يموج بالأفكار والصراعات يبرز "خطاب الكراهية" كأحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات، خاصة عندما يرتدي عباءة الدين، ورغم أنَّ الأديان في جوهرها تدعو إلى الرحمة والمحبة، إلَّا أنَّ بعض التفسيرات المتشدِّدة قد تحوِّلها إلى أداة للفُرْقة والنَّبْذ.

وضمن هذا السياق يثير "الخطاب السَّلَفي" في بعض تجلياته جدلًا واسعًا حول مساهمته -بقصدٍ أو بغير قصدٍ- في تغذية هذا النوع من الخطاب الذي يُصنِّف ويُقْصِي بدلًا من أن يُجمِّع ويُوحِّد.

حيث يعتمد جانب مِن الخطاب السَّلَفي بشكل أساسي على مبدأ "الولاء والبراء" كأصلٍ من أصول العقيدة، والمقصود بـ "الولاء" هو محبة الله ورسوله والمؤمنين ونصرتهم، بينما يعني "البراء" بُغض مَن يخالف هذا النهج والتبرؤ منه.. ورغم أنَّ هذا المفهوم في أصله قد يُفهم كآلية للحفاظ على الهوية الدينية، إلا أنَّ التَّشدُّد في تطبيقه وتوسيع دائرته ليصبح أساس العلاقة مع كل من يختلف يُحوِّله إلى إشكالية حقيقية.

هذا المفهوم يتحول إلى أداة إقصاء عندما يتم تفسيره بطريقة تُصنِّف الناس بشكل حاد إلى نوعين لا ثالث لهما: "مؤمنون" يجب موالاتهم بالكامل، و"آخرون" (سواء من أديان أخرى، أو مذاهب إسلامية مختلفة، أو حتى المسلمين غير الملتزمين بنفس الدرجة من التَّديُّن) يجب معاداتهم وبغضهم.. 

وهذا التصنيف الحاد يغلق أبواب الحوار، ويُؤسِّس لحالةٍ من العداء المسبق، حيث لا يُنظر إلى "الآخر" كشريك في الإنسانية يمكن التعايش معه، بل كخصم عقائدي وجوده يمثل تهديدًا لـ"نقاوة العقيدة".. 

على أنَّ خطاب الكراهية يتخذ في هذا السياق أشكالًا متعددة، تبدأ من التحقير اللفظي والازدراء، وتمر عبر "التبديع" و "التفسيق" للمخالفين في الرأي من المسلمين أنفسهم، وقد تصل في أقصى صورها إلى "التكفير" الصريح، ويتم في هذا السياق تبرير هذا الإقصاء أحيانًا بالحرص على "صفاء المنهج"، لكنه في الواقع يزرع بذور الشقاق داخل المجتمع الواحد، ويُضعف نسيجه الاجتماعي.

الدكتور هشام ربيع أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية
الدكتور هشام ربيع أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية

لذا، فخطورة هذا التَّوجُّه لا تكمن فقط في أفكاره النظرية، بل في أثرها العملي، فعندما يُشحن الأتباع بخطاب يصور "الآخر" كعدو دائم، فإن ذلك يهيئ بيئة خصبة لنمو التطرف، وقد يُبرِّر أعمال العنف لدى الفئات الأكثر غلوً.

والأخطر مِن ذلك هو الأَثَر النفسي على الأفراد داخل هذه الجماعات وخارجها، فالأتباع يعيشون في حالةٍ مِن العزلة النفسية والاجتماعية، محاطين بجدران من الشِّك والريبة تجاه كل من هو خارج دائرتهم الضيقة، أمَّا مَن هم في الخارج فيشعرون بالنبذ والعداء مما يولِّد ردود فعل عكسية تزيد من حالة الاستقطاب في المجتمع.

اعتقادي ويقيني أنَّه في الماضي كان تأثير مثل هذه الخطابات محدودًا بحدود المسجد أو الحلقة العلمية، أمَّا اليوم ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي فقد وجدت هذه الأفكار منصة عالمية تصل إلى الملايين في لحظات، وأصبحت مقاطع الفيديو القصيرة، والمنشورات الحماسية، والمجموعات المغلقة على فيسبوك وتيليجرام أدوات فَعَّالة لنشر هذا الفكر الاقصائي وتجنيد أنصار جدد له.

وللأسف هذه المنصات بطبيعتها الخوارزمية التي تُفضِّل المحتوى المثير للجدل، تساهم في خلق "فقاعات ترشيح" تعزل المستخدمين عن أي آراء مخالفة، وتغرقهم في محيط من الأفكار المتشابهة التي تُعزِّز قناعاتهم المتشددة يومًا بعد يوم.

أحبُّ أن ألفت نظر القارئ الكريم على أنَّ نقد هذه الظاهرة لا يعني بأي حال من الأحوال الطعن في السَّلَفية كمنهج يسعى للتمسك بالأصول، فالعديد من المنتمين لهذا التيار يرفضون الغلو والتكفير ويدعون إلى الحكمة والموعظة الحسنة، لكنه دعوة ملحة لمراجعة الأدوات والمفاهيم التي يتم توظيفها في الخطاب الدعوي المعاصر، والتمييز بين النقد العلمي البناء الذي يهدف إلى تصويب الأخطاء، وبين خطاب الكراهية الذي يهدف إلى تحطيم الإنسان وتصنيفه كعدو.

فالإسلام الذي بُعث رسوله رحمة للعالمين لا يمكن أن يكون رسالة كراهية، والمسؤولية تقع على عاتق العلماء والدعاة والمؤسسات الدينية لتقديم خطابٍ يوازن بين الحفاظ على الهوية ومتطلبات العيش المشترك، خطابٍ يعيد الاعتبار لمفاهيم الإسلام الكبرى مثل الرحمة، والعدل، والبر، والإحسان، ويُؤكِّد على أنَّ "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية"، وأَنَّ الإنسانية هي القاسم المشترك الذي يجمعنا جميعًا، 

ختامًا: مواجهة "خطاب الكراهية" لا تكون فقط بالقوانين، بل بتقديم خطاب بديل أكثر إقناعًا وإنسانية.

د. هشام ربيع

أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء