محمود جمال سعيد: الذهب يتحول إلى "درع اقتصادي" مع تصاعد التوترات الإقليمية
مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خاصة على خلفية الملف الإيراني واحتمالات اتساع رقعة المواجهة العسكرية، تتجه أنظار المستثمرين العالميين بشكل متزايد نحو الذهب باعتباره الملاذ الآمن الأول في أوقات الأزمات. وقد انعكس ذلك في موجة صعود قوية للمعدن الأصفر في الأسواق العالمية، مدفوعة بحالة القلق من اضطراب سلاسل الإمداد العالمية واحتمالات تأثر ممرات الطاقة الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، قال الباحث الاقتصادي محمود جمال سعيد إن المشهد الاقتصادي العالمي يشهد حالياً حالة من إعادة التموضع الاستراتيجي لرؤوس الأموال، في ظل التوترات المتصاعدة المرتبطة بالملف الإيراني، والتي تجاوز تأثيرها حدود المخاطر الجيوسياسية التقليدية لتعيد رسم خريطة تحركات الأسواق المالية العالمية.
وأوضح أن صعود الذهب خلال الفترة الأخيرة لا يمكن اعتباره مجرد ارتفاع سعري عابر، بل يعكس عمق القلق الدولي من احتمالات تعطل سلاسل الإمداد وتأثر ممرات الطاقة الحيوية، الأمر الذي دفع المستثمرين والمؤسسات المالية الكبرى إلى الاحتماء بالمعدن الأصفر باعتباره الخيار الأكثر أماناً في أوقات الضبابية السياسية والاقتصادية.
وأضاف أن الأداء القياسي للذهب يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية، أولها ما يعرف بـ"علاوة المخاطر"، التي تُضاف بشكل شبه تلقائي إلى سعر الأونصة مع كل تصعيد عسكري في المنطقة. أما العامل الثاني فيتمثل في التحول الملحوظ في سياسات البنوك المركزية العالمية، التي باتت تميل بشكل متزايد إلى حيازة الأصول العينية وعلى رأسها الذهب، بدلاً من الاعتماد الكامل على السندات الورقية في إدارة احتياطياتها.
وأشار إلى أن العامل الثالث يرتبط بالعلاقة الوثيقة بين الذهب وتوقعات التضخم العالمي، خاصة في ظل احتمالات ارتفاع أسعار النفط إذا تصاعدت التوترات في منطقة الخليج أو تعرضت حركة الملاحة في مضيق هرمز لأي اضطراب.
وأكد أن الذهب في المرحلة الحالية لم يعد يتحرك فقط وفق بيانات أسعار الفائدة الأمريكية أو سياسات الاحتياطي الفيدرالي، بل أصبح يتداول أيضاً وفقاً لنبض التطورات السياسية وقدرة الدبلوماسية الدولية على احتواء الأزمات ومنع انزلاقها إلى مواجهات واسعة.
وتوقع سعيد أن تشهد الأسواق خلال الفترة المقبلة مرحلة من التذبذب السعري الحاد للذهب، وهي مرحلة غالباً ما تسبق الاستقرار عند مستويات تاريخية جديدة، لافتاً إلى أنه في حال استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" الحالية، سيظل الذهب محافظاً على مستويات دعم قوية، ما يجعل أي تراجع في الأسعار فرصة شرائية استراتيجية للمستثمرين.
وأضاف أنه في حال تطور التوترات إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، فقد يشهد المعدن الأصفر قفزات سعرية كبيرة قد تكسر حواجز نفسية غير مسبوقة، مدفوعة بتراجع الثقة في العملات الرئيسية واتجاه الصناديق السيادية والمؤسسات الكبرى إلى تحويل جزء أكبر من أصولها إلى الذهب ، مؤكدا أن إدارة المحافظ الاستثمارية في ظل التوترات الإقليمية تتطلب قدراً كبيراً من المرونة وفهماً دقيقاً لما وصفه بـ"أصول الأزمات"، مشيراً إلى أن الذهب لم يعد مجرد وسيلة للادخار أو زينة تقليدية، بل تحول إلى "درع اقتصادي" يحمي الثروات من تقلبات الأسواق وتآكل القوة الشرائية في عالم يتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.

