مفتي الجمهورية: حلاوة الإيمان تجربة روحية عميقة يعيشها المؤمن بميزان الشرع
قال الدكتور نظير عياد، مفتي الديار المصرية، إن الحديث عن حلاوة الإيمان، ليس حديثًا وعظيًا مجردًا، بل هو حديث عن تجربة روحية عميقة يعيشها المؤمن حين يتحول أداؤه للعبادات من مجرد تكليف إلى حالة من الأنس والقرب والطمأنينة.
وأوضح أن كثيرين يؤدون الصلاة، ويصومون، ويتلون القرآن، لكن قلة منهم من تتذوق طعم الإيمان الحقيقي، تلك الحلاوة التي تجعل العبادة راحة للنفس لا عبئًا عليها، وسكينة للقلب لا مجرد عادة يومية متكررة.
حديث النبي مفتاح الحلاوة
واستشهد عياد، خلال تقديمه برنامج مع فضيلة المفتي، على شاشة القناة الاولى، بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار".
وبين أن هذا الحديث يضع القاعدة الأساسية لحلاوة الإيمان، فالمسألة ليست حالة غامضة أو منحة استثنائية لقلة من الناس، وإنما هي نتيجة طبيعية لمحبة صادقة تستقر في القلب، فإذا أحب العبد ربه، أحب لقائه، وأحب كل ما يقربه إليه من صلاة وصيام وذكر ودعاء.
من دائرة التكليف إلى مقام التعريف
وأشار إلى أن العبادة إذا بقيت في إطار التكليف وحده، فإنها تُؤدى بالجوارح دون أن تستقر في القلوب، فيشعر الإنسان بثقلها، ويتطلع إلى الانتهاء منها، أما إذا ارتقت إلى مرتبة “التعريف” بالله تعالى، وأصبحت طريقًا لمعرفته والقرب منه، فهنا تبدأ الحلاوة الحقيقية.
واستدل بقوله تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب، موضحًا أن الآية لم تقل تتكلف القلوب، بل تطمئن، أي تسكن وتستريح. فالذكر والصلاة والقرآن ليست أعباء، بل مواطن راحة لمن أحسن فهمها وتعامل معها بقلب حاضر.
خطوات عملية لبلوغ حلاوة الإيمان
وأوضح مفتي الديار المصرية أن الوصول إلى هذه المرتبة يحتاج إلى خطوات واضحة، أولها تصحيح النية. فلا يصلي المسلم ليسقط فرضًا فحسب، بل ليصل إلى الله، ولا يقرأ القرآن ليُكمل ورده اليومي، بل ليستمع إلى خطاب ربه ويتدبر معانيه.
أما الخطوة الثانية فهي التدرج ولطف المجاهدة، فالنفس إذا أُرهقت ملت، وإذا أُخذت بالرفق ألفت واطمأنت، وقد جاء في الحديث الشريف: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، في إشارة إلى أن الاستمرار الهادئ خير من الاندفاع المنقطع.
روح العبادة وسر القبول
وأكد أن حضور القلب هو الركيزة الثالثة في طريق الحلاوة، فالصلاة ليست حركات متتابعة، بل لقاء بين العبد وربه، والصيام ليس مجرد امتناع عن طعام وشراب، بل سر خاص بين العبد وخالقه، والدعاء ليس ألفاظًا محفوظة، بل بوح قلب يعلم أنه مسموع.
وأشار إلى أن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته تمثل الركيزة الرابعة، فكلما ازداد العبد معرفة بربه، ازداد حبًا له، وكلما ازداد حبًا له، تلذذت نفسه بخدمته، فهل يستثقل المحب لقاء محبوبه؟ أم يشتاق إليه ويأنس بقربه؟
رحلة الإيمان المتدرجة
وتابع أن أول مراتب العبادة هو الأداء، وآخرها الأنس، نبدأ مكلفين وننتهي متلذذين، نبدأ مجاهدين وننتهي مشتاقين. ومن عجيب أمر الإيمان أنه كلما أعطيته من وقتك وقلبك، أعطاك من سكينته ونوره.
فإذا ذاق المؤمن حلاوة السجود، لم يعد يراه تكليفًا، وإذا ألف القرآن صار أنيسًا في وحدته، وإذا اعتاد الدعاء أصبح ملاذه في الشدائد، وقد قال بعض العارفين: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: معرفة الله ومحبته.

