رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مستقبل العمامة السوداء.. «خامنئي» إلى التاريخ وإيران «بين نارين»| تقرير

المرشد الإيراني علي
المرشد الإيراني علي خامنئي

تعيش إيران لحظة فارقة في تاريخها السياسي، إذ فتح غياب المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي باب واسع من التساؤلات حول هوية من سيخلفه، وكيف ستدار البلاد في مرحلة انتقالية تبدو معقدة ومليئة بالحسابات الدقيقة. 

فبحسب ما أوردته صحيفة"التايمز"، البريطانية، فإن امتناع خامنئي طوال أربعة عقود عن تعيين خليفة واضح له، وضع الدولة الآن أمام فراغ قيادي قد يستمر إلى أن يحسم اسم المرشد الجديد، وهي عملية قد لا تكون سريعة في ظل المستجدات الأخيرة.

صورة جوية لاستهداف إسرائيلي أمريكي على مقر المرشد الراحل في إيران
صورة جوية لاستهداف إسرائيلي أمريكي على مقر المرشد الراحل في إيران

هواجس السلطة وتجربة الماضي

التقرير أشار إلى أن إحجام خامنئي عن تسمية وريث له لم يكن وليد الصدفة، بل ارتبط بمخاوف عميقة من ظهور منافس قوي داخل أروقة النظام. فالرجل الذي أمسك بزمام السلطة لأكثر من 40 عاما، كان حريص على ألا يمنح أي شخصية فرصة مبكرة لبناء نفوذ قد يهدد موقعه.

كما يعتقد أن تجربة سلفه، روح الله الخميني، لعبت دور في تشكيل هذا الحذر. فالخميني كان قد اختار خليفة له قبل وفاته عام 1989، غير أن ذلك الاختيار انقلب عليه لاحقا على خلفية الخلافات بشأن الإعدامات الجماعية للسجناء السياسيين في أواخر الثمانينيات. وربما رسخت تلك الواقعة قناعة لدى خامنئي بأن تعيين خليفة مبكر قد يحمل في طياته مخاطر سياسية غير محسوبة.

لكن التطورات الأمنية الأخيرة غيرت المعادلة. فبعد الهجوم الإسرائيلي على إيران في يونيو الماضي، وتحت وقع الصواريخ، سارع خامنئي إلى إعداد قائمة تضم ثلاثة أسماء مرشحة لخلافته، وطلب تسليمها إلى مجلس خبراء القيادة، الجهة المخولة دستوريا باختيار المرشد الأعلى، وفقًا لوكالة "رويترز".

علي لاريجاني إلي جانب المرشد الراحل
علي لاريجاني إلي جانب المرشد الراحل

أسماء في دائرة الضوء.. وأخرى غادرت المشهد

رغم أن الأسماء لم تعلن رسميا، فإن التكهنات رجحت أن القائمة ضمت رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجي، وعلي أصغر حجازي رئيس مكتب خامنئي، إضافة إلى حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، والذي ينظر إليه على أنه رجل دين يتبنى توجه أكثر اعتدال.

غير أن الأحداث المتسارعة غيرت الحسابات، إذ تشير المعلومات إلى مقتل علي أصغر حجازي في الغارة التي استهدفت خامنئي. أما محسني إيجي، فقد جرى اختياره ضمن مجلس قيادي مؤقت مكون من ثلاثة أشخاص لتسيير شؤون البلاد لحين انتخاب مرشد جديد، ما يجعله من أبرز المرشحين لتولي المنصب، رغم الجدل الذي يحيط بسجله القضائي الحافل بأحكام الإعدام.

في المقابل، يبرز اسم علي لاريجاني باعتباره أحد أكثر الشخصيات نفوذا في المرحلة الراهنة، إذ يعتقد أنه يدير دفة الأمور فعليا، متقدما في تأثيره على الرئيس مسعود بزشكيان. 

ومع ذلك، فإن شرط أن يكون المرشد "ولي فقيه" وعالم ديني بارز قد لا يخدم حظوظ لاريجاني، الذي يعرف أكثر بكونه سياسي براغماتي منه مرجع ديني.

دونالد ترامب والمرشد الأعلى الراحل علي خامنئي
دونالد ترامب والمرشد الأعلى الراحل علي خامنئي

موقع المرشد.. سلطة تتجاوز كل السلطات

يحظى منصب المرشد الأعلى في إيران بثقل استثنائي، فهو ليس منصب بروتوكولي، بل مركز القوة الحقيقي في الدولة. فالمرشد يتولى القيادة العامة للقوات المسلحة، ويملك تأثير مباشر على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، كما يشرف على مجلس خبراء القيادة المؤلف من 88 عضوا، وهو المجلس الذي يمتلك نظريًا صلاحية عزله، رغم أنه لم يقدم على ذلك في أي وقت سابق.

هذا التركيز الكبير للصلاحيات يجعل اختيار المرشد الجديد خطوة مفصلية لا تحدد فقط اسم الحاكم، بل ترسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة بأكملها.

حسابات الخارج.. ورهانات غير مضمونة

بعض التحليلات ذهبت إلى احتمال سعي واشنطن إلى الدفع بشخصية مقبولة من داخل النظام، بما يضمن انتقال منضبط للسلطة، على غرار ما حدث في فنزويلا حين تولت ديلسي رودريجيز دور محوري في إدارة المرحلة التالية. غير أن خبراء يرون أن استنساخ هذا السيناريو في إيران يبدو بعيد الاحتمال.

فبحسب داني سيترينوفيتش، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، فإن النظام لن يستسلم بسهولة، ولن يسمح بفرض بديل من الخارج، مشيرا إلى أن الحرس الثوري الإيراني يمسك بزمام الأمور، وسيكون لاعب حاسم في تحديد شكل المرحلة المقبلة.

 كما أن تقييم سابق صادر عن وكالة الاستخبارات المركزية رجح إمكانية صعود شخصيات أكثر تشددا من داخل الحرس الثوري في حال غياب خامنئي.

المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي يسير مع القادة الإيرانيين
المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي يسير مع القادة الإيرانيين

انتقال تاريخي

يرى الباحث كريم سجادبور من مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي أن إيران تقف بالفعل على أعتاب انتقال قيادي تاريخي، وأن مستقبلها السياسي لم يحسم بعد، مرجح أن يكون خامنئي آخر زعيم ديني قوي يحكم البلاد بهذه الصيغة التقليدية.

وهكذا، تبدو إيران اليوم أمام مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع الضغوط الخارجية، ويختلط فيها الصراع على النفوذ بالحفاظ على تماسك النظام. وبين أسماء مطروحة وأخرى مستبعدة، يبقى السؤال مفتوح: هل ستشهد الجمهورية الإسلامية استمرار للنهج ذاته، أم أن المرشد القادم سيقود البلاد إلى مسار مختلف؟.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء