زلزال إيران وأمريكا.. ماذا فعلت ساعات الحرب في الأسواق المحلية والعالمية؟
لم تكن سوى ساعات قليلة على اندلاع الصراع بين إيران والولايات المتحدة، حتى انتقلت ارتداداته من ساحات السياسة إلى شاشات التداول، ثم إلى جيوب المواطنين والمستثمرين من القاهرة إلى نيويورك، ليدخل العالم في وضع الهروب من المخاطر، والأسواق استجابت بسرعة تعكس حساسية المرحلة وخطورة التطورات.
خروج الأموال الساخنة وضغط على الجنيه
دفعت التوترات نحو 1.12 مليار دولار إلى الخروج من أسواق الدين المصرية، في ظل تقديرات بأن حجم الأموال الساخنة في السوق المحلية يتجاوز 40 مليار دولار.
انعكس ذلك سريعاً على سعر الصرف، حيث فقد الجنيه نحو 2.6% من قيمته أمام الدولار، ليسجل سعر العملة الأمريكية وفقاً للبنك المركزي 49.30 جنيه.
لكن اللافت أن هذه التحركات ظلت في نطاق يمكن وصفه بالمحكوم، ولم تتحول إلى موجة اضطراب واسعة كما كان يحدث في أزمات سابقة.
البورصة المصرية بين الصدمة ومحاولة التماسك
أنهت البورصة المصرية تعاملات الاثنين 2 مارس 2026 بأداء متباين، بعدما كانت قد تلقت ضربة قوية في جلسة الأحد، فقدت خلالها نحو 73 مليار جنيه من قيمتها السوقية، مع هبوط المؤشر الرئيسي بنسبة 2.5%.
في جلسة الاثنين، بلغ رأس المال السوقي للأسهم المقيدة نحو 3.177 تريليون جنيه، مقابل 3.174 تريليون جنيه بنهاية جلسة الأحد، لتسجل السوق مكاسب سوقية تقارب 3 مليارات جنيه، رغم استمرار تراجع المؤشر الرئيسي، مدفوعة بصعود شريحة واسعة من الأسهم الصغيرة والمتوسطة.
لتعكس هذه التحركات انتقال السوق من حالة الفزع الأولي إلى محاولة إعادة تسعير المخاطر بشكل أكثر هدوءاً.
لماذا لم تتحول الصدمة إلى أزمة؟
عدة عوامل شكلت شبكة أمان للاقتصاد المصري في مواجهة الصدمة المفاجئة:
احتياطي نقدي عند مستوى تاريخي
أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 52.594 مليار دولار بنهاية يناير 2026، وهو رقم تاريخي يمثل حائط صد قوي حيث إنه يكفي لتغطية الواردات السلعية لأكثر من 6.3 شهر، معادلًا نحو 158% من إجمالي الديون الخارجية قصيرة الأجل، فقد سجل زيادة شهرية قدرها 1.14 مليار دولار مقارنة بديسمبر 2025، لتقلل هذه المؤشرات مخاوف نقص السيولة الدولارية أو تعثر السداد.
تحويلات قياسية من الخارج
بلغت تحويلات المصريين العاملين بالخارج نحو 41.5 مليار دولار خلال عام 2025، وهو مستوى قياسي جديد يوفر تدفقاً مستقراً للعملة الصعبة، يعوض أي تخارج مفاجئ للاستثمارات قصيرة الأجل.
مرونة نقدية استباقية
كان البنك المركزي قد خفض في فبراير 2026 نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك إلى 16%، إلى جانب خفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس. هذه الخطوة منحت البنوك مرونة أكبر في إدارة السيولة وخففت الضغوط على الشركات والبورصة قبل اندلاع التوترات.
تحسن هيكلي في القطاع الخارجي
تراجع عجز الحساب الجاري بنسبة 25.9% ليصل إلى 15.4 مليار دولار في العام المالي 2024/2025 مقابل 20.8 مليار دولار في العام السابق، ما يعني انخفاض الحاجة إلى تمويل خارجي إضافي.
كما بلغ فائض صافي الأصول الأجنبية نحو 29.5 مليار دولار، وهو ما ساهم مع قوة الاحتياطي في منع تحول خروج الأموال الساخنة إلى أزمة وطنية، وحصر التأثير في تحرك سعري محدود داخل البنوك والبورصة، لينعكس الاستقرار النسبي مباشرة في جلسة الاثنين، التي استعادت فيها السوق 3 مليارات جنيه من خسائرها.
عالمياً.. الطاقة تشتعل والذهب يلمع
في الأسواق العالمية، دخل المستثمرون في وضع الهروب من المخاطر مع دخول الصراع يومه الثالث، ما أدى إلى قفزات حادة في أسعار الطاقة والمعادن النفيسة مقابل تراجع واسع في مؤشرات الأسهم.
أسواق الطاقة.. الرابح الأكبر
التهديدات التي طالت مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، دفعت الأسعار للصعود بقوة:
خام برنت قفز بنحو 9% ليتداول حول 80 دولاراً للبرميل بعد أن لامس 82 دولاراً
خام غرب تكساس ارتفع 8% إلى 72.70 دولاراً للبرميل
العقود الآجلة للغاز في أوروبا قفزت 46% مع تعطل بعض منشآت الغاز المسال وتزايد المخاوف من نقص الإمدادات
الملاذات الآمنة تتقدم
اتجه المستثمرون إلى الأصول الآمنة لحماية رؤوس أموالهم:
الذهب ارتفع 2.5% ليسجل أعلى مستوى في شهر ويتجاوز 5400 دولار للأوقية
مؤشر الدولار صعد 0.9% أمام العملات الرئيسية بدعم الطلب عليه كملاذ آمن
الأسهم بين الهبوط ومحاولات التعافي
افتتحت وول ستريت على تراجعات حادة، حيث هبط مؤشر الداو جونز بأكثر من 500 نقطة، وتراجع S&P 500 وناسداك بنحو 1%، قبل أن يقلص ناسداك خسائره ويتحول لمكاسب طفيفة بفضل رهانات على أن الصدمة قد تكون مؤقتة.
قطاعياً، صعدت أسهم شركات الدفاع والطاقة، بينما تراجعت أسهم الطيران والسياحة بأكثر من 6%.
في أوروبا، كانت الخسائر أوضح، حيث هبط مؤشر DAX الألماني 1.9%، ومؤشر CAC 40 الفرنسي 1.7%.
العملات الرقمية.. تذبذب حاد
تراجع البيتكوين في البداية دون 67 ألف دولار قبل أن يعاود الصعود فوق 68 ألف دولار، وسط جدل متجدد حول دوره كذهب رقمي في أوقات الأزمات.
صدمة سريعة واختبار للصلابة
ساعات الحرب الأولى لم تترك سوقاً دون أن تمسه. في مصر، ظهر الأثر سريعاً في البورصة وسعر الصرف وخروج بعض الاستثمارات، لكن شبكة الأمان المتمثلة في الاحتياطي القوي، وتحسن المؤشرات الخارجية، والتدفقات المستدامة من الخارج، منعت تحول الارتداد إلى أزمة شاملة.
عالمياً، كانت الرسالة واضحة.. كلما اقترب التوتر من شريان الطاقة العالمي، اشتعلت أسعار النفط والغاز، ولمع الذهب، واهتزت الأسهم.
وما زالت الأسواق تترقب السؤال الأكبر، هل كانت هذه مجرد صدمة مؤقتة أم بداية موجة اضطراب أطول زمناً وأعمق أثراً في جيوب المواطنين حول العالم؟