أحمد أنور: تغطية الإعلام الإسرائيلي للصراع مع إيران اتسمت بازدواجية واضحة
قال الدكتور أحمد فؤاد أنور، أستاذ الدراسات الإسرائيلية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن تغطية الإعلام الإسرائيلي للصراع مع إيران اتسمت بازدواجية واضحة بين الاحتفاء بالعمليات العسكرية والتحذير من تداعياتها الاستراتيجية على الداخل الإسرائيلي والمنطقة بأسرها، موضحًا أن الصحافة العبرية لم تكتفِ بسرد التطورات الميدانية، بل عملت على ترسيخ الرواية الأمنية التي يسعى جيش الاحتلال إلى فرضها، مع توظيف خطاب تعبوي يركز على "الإنجازات" العسكرية.
وأشار إلى أن العناوين الرئيسية في الصحف العبرية عقب استهداف المرشد الإيراني جاءت بصيغة احتفالية، ووصفت الحدث بأنه "تحول تاريخي" و"إنجاز غير مسبوق"، غير أن المشهد تبدل خلال 24 ساعة فقط، بعدما تصاعدت وتيرة الصواريخ الإيرانية التي أصابت أهدافًا داخل إسرائيل، لتتحول العناوين إلى ما يشبه "البكائيات"، مع اعتراف الجيش بعدم اعتراض بعض الصواريخ ووقوع خسائر، في ظل رقابة عسكرية مشددة تحد من نشر التفاصيل الكاملة.
خطاب متغير وفق تطورات الميدان
وأضاف أنور، خلال مداخلة هاتفية على شاشة القناة الأولى، أن المصطلحات المستخدمة في الإعلام العبري تعكس توجهًا واضحًا لتوصيف ما يجري باعتباره "حربًا" لا مجرد عمليات محدودة، مع طرح هدف معلن يتمثل في إسقاط النظام الإيراني عبر "قطع رأس الحية"، بحسب التعبير المتداول في بعض المنصات العبرية، غير أن بعض كبار الكتّاب سخروا من هذا الطرح، معتبرين أنه يكرر خططًا سابقة لم تحقق نتائج ملموسة، سواء في غزة أو في ملفات إقليمية أخرى.
ولفت إلى أن المعارضة الرسمية، بما فيها شخصيات مثل يائير لابيد وبيني جانتس، أيدت الهجوم على إيران، بينما برزت أصوات أخرى انتقدت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، متهمة إياه بالسعي إلى توظيف الحرب لتأجيل الانتخابات أو الهروب من أزماته القضائية الداخلية، كما أدانت القائمة المشتركة وبعض النواب العرب في الداخل الفلسطيني العدوان، ما يعكس تباينًا في المواقف داخل المجتمع الإسرائيلي.
الرقابة العسكرية وحرب الصور
وأوضح أستاذ الدراسات الإسرائيلية أن الرقابة العسكرية الإسرائيلية تحاول الحد من تسريب صور الخسائر، خصوصًا ما يتعلق باستهداف قواعد جوية أو منشآت حساسة، لكن رغم ذلك، انتشرت صور ومقاطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما اضطر الجيش أحيانًا إلى الاعتراف بسقوط صواريخ في مواقع عسكرية بعد إنكار أولي.
واعتبر أن هذا التناقض بين الرواية الرسمية وما يتداول على المنصات الرقمية يعكس حالة توتر داخلي، ويغذي تساؤلات حول مصداقية الحكومة، خاصة بعد تصريحات سابقة لنتنياهو تحدث فيها عن "إزالة خطر إيران لعقود"، قبل أن تعود المواجهة إلى الواجهة خلال أشهر قليلة فقط.
توظيف الرمزية الدينية
وأشار إلى أن بعض المنصات المقربة من الحكومة ربطت توقيت الهجوم بأعياد يهودية ذات دلالات تاريخية، في محاولة لإضفاء بُعد ديني على الصراع، ورأى أن هذا التوظيف يحمل خطورة بالغة، لأنه يعمق الطابع العقائدي للمواجهة ويزيد من احتمالات التصعيد الإقليمي.
كما لفت إلى أن الإعلام العبري ناقش تأثير الحرب على الاستحقاقات السياسية، وسط اتهامات لنتنياهو بمحاولة إطالة أمد المعارك لتأجيل الانتخابات، وفي المقابل، سعت الاستوديوهات التحليلية إلى طمأنة الداخل الإسرائيلي عبر التأكيد على الدعم الأمريكي، مع الإشارة إلى أن واشنطن تمثل شريكًا أساسيًا، إن لم تكن المحرك الرئيسي، في إدارة مسار التصعيد.
سيناريوهات الاستنزاف ومخاوف توسع الجبهة
وحول السيناريوهات المطروحة، أوضح أن الصحف العبرية تتحدث عن احتمال اتساع رقعة المواجهة لتشمل ساحات أخرى مثل سوريا، مع تحذيرات من استهداف أهداف مدنية رخوة إذا شعر النظام الإيراني بتهديد وجودي. كما يجري الحديث عن أعباء استدعاء آلاف من قوات الاحتياط، وما يمثله ذلك من ضغط اقتصادي واجتماعي على فئات بعينها.
وفي ختام حديثه، أكد أحمد فؤاد أنور، على أن هندسة الصورة الإعلامية تلعب دورًا مركزيًا في إدارة الصراع، سواء عبر تضخيم الإنجازات أو التقليل من الخسائر، غير أن المؤشرات المتداولة في الإعلام الإسرائيلي ذاته توحي بأن المعركة، إذا استمرت، قد تفتح الباب أمام مرحلة من الاستنزاف وعدم الاستقرار، لن تكون في صالح أي من الأطراف المنخرطة فيها.

