أحمد فوزي: استخدام التفاوض كغطاء لعمل عسكري يضعف المسار الدبلوماسي|فيديو
قال الدكتور أحمد فوزي، أستاذ القانون الدولي، إن الجمع بين التخطيط للعمليات العسكرية والجلوس في الوقت نفسه على مائدة المفاوضات يثير تساؤلات قانونية وسياسية معقدة، موضحًا أن هذا السلوك لا يمكن توصيفه قانونيًا باعتباره مسارًا تفاوضيًا خالصًا، بل يندرج غالبًا ضمن المناورات السياسية التي تلجأ إليها القوى الكبرى لإدارة الصراع وكسب الوقت، إما لتحسين شروط التفاوض أو لإعادة ترتيب أوراقها الميدانية.
وأشار إلى أن جوهر الأزمة هنا يتعلق بمسألة النوايا والثقة بين الأطراف المتنازعة، فالدخول في مفاوضات حقيقية يهدف إلى نزع فتيل الأزمة يتطلب إرادة صادقة، بينما استخدام التفاوض كغطاء لتحركات عسكرية يضعف أي فرصة لبناء مسار دبلوماسي مستدام، ومن ثم فإن المرحلة الراهنة، في تقديره، تجعل احتمالات نجاح المفاوضات ضعيفة في ظل تصاعد العمليات العسكرية.
تعقيدات الحالة الإيرانية
وأضاف فوزي، خلال لقاء على شاشة القناة الأولى، أن الوضع في إيران يختلف عن كثير من الدول، نظرًا للطابع العقائدي للنظام، وهو ما يجعل ردود الفعل السياسية والأمنية محكومة باعتبارات أيديولوجية عميقة، مضيفًا أن اغتيال قيادات مؤثرة أو استهداف رموز عليا يخلق حالة من التصعيد يصعب معها العودة السريعة إلى طاولة التفاوض، لأن القرار لا يُقاس فقط بمعايير سياسية تقليدية، بل يرتبط بعقيدة وهوية النظام ذاته.
وأكد أن أي مسار تفاوضي في هذه الحالة سيحتاج إلى وسيط دولي قوي ونزيه، يحظى بثقة جميع الأطراف، سواء الجانب الأمريكي أو الإسرائيلي من جهة، أو الجانب الإيراني من جهة أخرى، فغياب الثقة المتبادلة يظل العائق الأكبر أمام أي جهود تهدئة، خصوصًا مع تشابك المصالح الإقليمية والدولية.
الضغوط الداخلية وتأثيرها على قرار الحرب
ولفت أستاذ القانون الدولي، إلى أن العوامل الداخلية تلعب دورًا محوريًا في إشعال أو تهدئة الصراعات، فالداخل الإسرائيلي، بحسب تقديره، قد يكون بحاجة إلى عملية عسكرية تعزز الموقف السياسي في ظل استحقاقات انتخابية، وكذلك الحال في الولايات المتحدة، حيث يمكن توظيف التصعيد الخارجي لتبرير أزمات اقتصادية داخلية مثل ارتفاع الأسعار أو الركود.
أما في إيران، فأشار إلى أن الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الاجتماعية السابقة ربما دفعت نحو تصعيد خارجي بهدف توحيد الجبهة الداخلية ولمّ الصفوف، ومع التأكيد على فداحة الخسائر البشرية ووطأة ويلات الحرب، يرى فوزي أن الحسابات السياسية الداخلية كانت أحد المحركات الأساسية لهذا التصعيد من جانب الأطراف الثلاثة.
توازنات القوة وصراع الطاقة العالمي
وأشار إلى أن الصراع لا يمكن فصله عن معادلات توازن القوة الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بالطاقة، فالصين على سبيل المثال، تستورد نسبة معتبرة من احتياجاتها النفطية من إيران، إلى جانب واردات أخرى من دول مثل فنزويلا، وأي استهداف مباشر لإمدادات النفط الإيراني يعني التأثير على نسبة مؤثرة من واردات الطاقة الصينية، وهو ما ينعكس بدوره على الاقتصاد العالمي.
وأضاف أن هذه الحسابات تجعل الأزمة تتجاوز إطارها الإقليمي، لتتحول إلى ملف دولي تتداخل فيه مصالح القوى الكبرى، فالصراع لم يعد مجرد مواجهة ثنائية، بل أصبح ساحة اختبار لإعادة رسم موازين النفوذ بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والصين وقوى أخرى من جهة مقابلة.
اتساع دائرة المواجهة وأخطاء الحسابات
وانتقد ما وصفه بتوسيع دائرة الحرب عبر استهداف أطراف متعددة، معتبرًا أن إدارة الحروب تخضع لحسابات دقيقة تقوم على مبدأ المكسب والخسارة وتوقيت الضربات وحدودها، مشيرًا إلى أن فتح جبهات جديدة يضاعف من حجم المخاطر ويزيد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة.
وفي ختام حديثه، يرى الدكتور أحمد فوزي، أن بعض الضربات حملت طابعًا اندفاعيًا أو انتقاميًا أكثر منه استراتيجيًا، في ظل غياب عنصر كابح كان يضبط إيقاع التصعيد، وخلص إلى أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر تعقيدًا، لأن منطق “أكون أو لا أكون” حين يهيمن على قرارات الدول، يدفعها إلى خيارات قصوى قد يصعب التراجع عنها، ما يجعل المشهد مفتوحًا على سيناريوهات أشد صعوبة في الفترة القادمة.

