عمار علي حسن: المصريون هم من يحددون مصيرهم ويؤثرون على المحتل وليس العكس
أكد الدكتور عمار علي حسن، الكاتب والروائي والباحث في علم الاجتماع السياسي، أن حرب 6 أكتوبر كانت حربًا خاضها الشعب المصري بأكمله، حيث أذهل هذا الشعب عدوه، وجعل العدو يقف حائرًا أمام بسالة وقوة الجندي المصري، الذي خاض المعركة وهو صائم، وكان هتافه الله أكبر يهز قلب خصمه.
وأشار إلى أن الشعب المصري يمثل التهديد الأكبر للعدو، وليس الأنظمة أو الدولة، مؤكداً أن هذه الحقيقة مستندة إلى دراسة متأنية لتاريخ مصر، حيث إن المصريين دائمًا ما يتحركون للدفاع عن بلادهم حين يشعرون بخطر عليها، مستخدمين جميع أدوات المقاومة سواء بالسلاح أو بالحيلة أو المقاومة المدنية مثل الكتابة والتظاهر والاعتصام والرموز.
تاريخ مصر بين الاحتلال والمقاومة
وأضاف حسن، خلال لقائه مع الإعلامية معتزة مهابة، ببرنامج “مواجهات” المذاع على تلفزيون “إيجبتك”، أن بعض الكتب الحديثة، مثل كتاب "تراث العبيد"، حاولت تصوير تاريخ مصر على أنه تاريخ من الخضوع والعبودية، إلا أن ذلك غير صحيح، إذ أظهر تاريخ المصريين عبر آلاف السنين قدرتهم على التأثير في المحتل بدلًا من التكيف معه.
وأوضح أن المقارنة بين تاريخ مصر ودول مثل الصين والهند وروسيا وأفريقيا تظهر أن المصريين هم من يحددون مصيرهم ويؤثرون على المحتل، وليس العكس، حيث حافظ الشعب المصري على تركيبه الثقافي والاجتماعي رغم الاحتلالات الطويلة، مستمدًا قوته من تاريخ طويل من المقاومة، بدءًا من بيبي الثاني وحتى الثورة الحديثة.
المقاومة الشعبية عبر العصور
وتحدث عن تفاصيل الاحتجاجات والمقاومة المصرية منذ العصور القديمة، موضحًا أن المصريين استخدموا أساليب متعددة للاعتراض، منها الكتابة والرموز والأساطير والمظاهرات والاعتصامات، وكلها كانت أشكالًا للمقاومة السلمية ضد الفساد والاستبداد.
وأشار إلى أن التاريخ المصري مليء بالمحطات الكبرى التي شكلت الوعي الوطني، مثل طرد الهكسوس على يد أحمس، وهزيمة المغول على يد قطز، وثورة 1919، وحرب 1973، وثورة يناير، مؤكدًا أن الروح المصرية لم تخمد طوال هذه المحطات، بل حافظت على يقظتها وقدرتها على التكيف والصمود.
حرب 1973: نموذج للصمود والبطولة
وأكد أن حرب 6 أكتوبر 1973 أظهرت الوجه الحقيقي للمواطن المصري، حيث تبرع المصريون بدمائهم ودعموا الجيش بكل الصبر والصمود، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة ونقص المعدات الحديثة، وقد أذهلت إرادتهم القادة العسكريين في إسرائيل والدول الغربية، حيث هزم الجندي المصري التكنولوجيا بإيمانه وقوته.
وأوضح أن الجيش المصري استخدم التفكير العلمي والتراكمي في إعداد الخطط العسكرية، مع الاستفادة القصوى من الإمكانات المحدودة، وأسندت القيادة إلى ضباط خبراء ووطنيين، مما أسهم في تحقيق الانتصار وإعادة سيناء، مشيرًا إلى أهمية التكتم والخداع الاستراتيجي الذي مارسته القيادة لإرباك العدو.
الجندي المصري بين البيئة والروح الوطنية
وأشار الدكتور عمار علي حسن، إلى أن الجندي المصري يمتاز بقدرة غير عادية على التكيف والصبر والتحمل، مستندًا إلى جينات متوارثة تتجلى في مواجهته للصعاب والضغوط، سواء في المعارك أو في حياته اليومية، حيث أثبتت حرب 73 أن المواطن المصري قادر على أداء أدوار بطولية حتى تحت ظروف صعبة للغاية.
وتابع أن المواطن المصري اليوم، رغم التقدم التكنولوجي والانشغال بالحياة اليومية، لا يزال يحتفظ بهذه الروح الوطنية، حيث يظهر في الأزمات الحقيقية مثل ثورة يناير، مما يعكس أن الطبع المصري يغلب التطبع، وأن حب الوطن مترسخ في الوعي والمشاعر منذ آلاف السنين.
الانسجام الاجتماعي وأثره على الوحدة الوطنية
وبيّن أن المصريين يتمتعون بتجانس واندماج اجتماعي وعرقي وديني، وهو ما يجعلهم مجتمعًا متماسكًا رغم اختلاف الأقاليم والثقافات، من الصعيد إلى النوبة، ومن القرى إلى المدن الكبرى، مؤكدًا أن هذا الاندماج يولد ولاءً عميقًا للوطن، ويجعل أي محاولة لتقسيم البلاد مستحيلة عمليًا.
وأشار إلى أن المصريين يشعرون وكأن أي اقتطاع من أرض الوطن يشبه انتهاك جسدهم، مما يجعلهم يقفون صفًا واحدًا في مواجهة أي تهديد للبلاد، مؤكدًا أن هذا الرابط ليس شعارات فقط، بل هو حب راسخ ومستقر في الذكريات والمعيشة اليومية.
دور الإعلام والفن في تعزيز الروح الوطنية
ولفت إلى أن الإعلام والفن لعبا دورًا كبيرًا في الحفاظ على الروح المعنوية للمصريين بعد هزيمة 1967، من خلال دعم المجهود الحربي وتشجيع المشاركة الشعبية، مشيرًا إلى الأمثلة مثل أم كلثوم التي جابت البلاد لجمع الحلي لدعم الجيش.
وأوضح أن الأدب والفن، من كتابة نجيب محفوظ ويوسف إدريس إلى السينما والدراما، ساهموا في تشكيل وعينا الوطني والذهني، ومهدوا الطريق لتحقيق الانتصارات، مؤكدًا أن هذه الجهود ساعدت على ترسيخ فكرة الدفاع عن الوطن كواجب مقدس وملتزم به كل مصري.
وفي ختام حديثه، أكد الدكتور عمار علي حسن، على أن المصريين، منذ آلاف السنين وحتى اليوم، يمتلكون تركيبة فريدة تجعلهم قادرين على الصمود والمقاومة والإبداع في مواجهة التحديات، مؤكدًا أن هذه الروح الوطنية المندمجة مع التاريخ والموروث الثقافي تجعل الشعب المصري دائمًا نقطة قوة لا يمكن لأي عدو تجاهلها.

