هل ينفق المصريون 60 مليار جنيه على طعام رمضان؟ الأرقام تكشف الحقيقة
أثار تصريح عبدالمنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، حول إنفاق المصريين نحو 2 مليار جنيه يوميًا على الطعام في شهر رمضان، بإجمالي 60 مليار جنيه شهريًا تمثل 35% من الاستهلاك السنوي، جدلًا واسعًا. لكن مراجعة الأرقام تُظهر أن جزءًا من هذا الحديث مضلل، والجزء الآخر غير دقيق.
أولًا: ماذا يعني رقم 2 مليار جنيه يوميًا؟
عند تقسيم 2 مليار جنيه يوميًا على عدد سكان مصر (نحو 100–110 ملايين نسمة تقريبًا)، يكون متوسط الإنفاق اليومي للفرد نحو 18.4 جنيه فقط، أي حوالي 540 جنيهًا شهريًا، هذا الرقم يبدو متواضعًا للغاية إذا ما قورن بمتوسط أسعار السلع الغذائية. فعلى سبيل المثال:
• متوسط سعر كيلو اللحم البلدي يتجاوز 400 جنيه.
• متوسط سعر كيلو الدواجن يدور حول 112 جنيهًا.
بالتالي، فإن 18 جنيهًا يوميًا لا تكفي سوى لشراء نحو 163 جرامًا من الدواجن، أو كمية محدودة جدًا من سلع أساسية مثل الفول، دون احتساب باقي مكونات وجبة الإفطار الرمضانية. وهو ما يضعف دلالة الرقم ويجعله غير معبر عن إنفاق فعلي مرتفع كما قد يوحي التصريح.
ثانيًا: هل يمثل 60 مليار جنيه 35% من الاستهلاك السنوي؟
إذا كان إنفاق رمضان 60 مليار جنيه يمثل 35% من الإنفاق السنوي، فهذا يعني أن إجمالي الإنفاق السنوي على الطعام يبلغ نحو 171 مليار جنيه فقط، لكن وفقًا لآخر إصدار من بحث الدخل والإنفاق الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (2019/2020)، بلغ متوسط الإنفاق السنوي للفرد على الطعام والشراب نحو 4748 جنيهًا. وباحتساب عدد السكان وقتها (100.6 مليون نسمة)، يصل إجمالي الإنفاق السنوي إلى نحو 477.7 مليار جنيه، و بالتالي، فإن 60 مليار جنيه تمثل نحو 12.5% فقط من الإنفاق السنوي، وليس 35%، ما يجعل هذه النسبة غير دقيقة إحصائيًا.
ثالثًا: ماذا عن الواقع الغذائي للمصريين؟
الأهم من الأرقام هو السياق الاجتماعي والاقتصادي. تقارير أممية صادرة عام 2025 تشير إلى أن نحو 66.2 مليون مصري (56.8% من السكان) لا يستطيعون تحمل تكلفة نظام غذائي صحي في 2024، نتيجة التضخم وارتفاع أسعار الغذاء مقارنة بالأجور، كما ارتفع عدد من يعانون من انعدام الأمن الغذائي "المتوسط أو الشديد" إلى 35.1 مليون نسمة بين 2022 و2024، بينهم 13.8 مليون يعانون من انعدام أمن غذائي شديد، أي أنهم معرضون فعليًا للجوع أو تخطي وجبات، حيث تكشف دراسة للجهاز المركزي للإحصاء عام 2022 أن 74% من الأسر المصرية خفضت استهلاكها من الغذاء بسبب ارتفاع الأسعار، منها 90% خفضت استهلاك البروتينات.
واقع القدرة الشرائية والأمن الغذائي في مصر
لا توجد إحصاءات رسمية تؤكد رقم الـ2 مليار جنيه يوميًا في رمضان، كما أن نسبة 35% من الاستهلاك السنوي لا تتسق مع البيانات الرسمية المتاحة، والأهم أن واقع القدرة الشرائية والأمن الغذائي في مصر يُظهر أن شريحة واسعة من المواطنين تكافح لتوفير احتياجاتها الأساسية، ما يجعل الحديث عن طفرة إنفاق رمضانية ضخمة بحاجة إلى تدقيق أكبر وسياق أكثر واقعية.
استخفافًا بمنهجية الأرقام في ملف بالغ الحساسية
تصريح عبدالمنعم السيد يكشف أزمة أعمق من مجرد خطأ رقمي؛ فهو يعكس استخفافًا بمنهجية الأرقام في ملف بالغ الحساسية مثل إنفاق الغذاء. الحديث عن 60 مليار جنيه في شهر واحد، تمثل 35% من الاستهلاك السنوي، ليس مجرد تقدير تقريبي، بل ادعاء كبير يستوجب سندًا إحصائيًا واضحًا. غياب المصدر لا يجعل الرقم تقديريًا فقط، بل يجعله أقرب إلى الانطباع منه إلى التحليل العلمي.
الأخطر أن طرح رقم “2 مليار جنيه يوميًا” بصيغته المجملة يوحي بوفرة إنفاق استثنائية، بينما تفكيكه حسابيًا يكشف صورة مختلفة تمامًا. عند تقسيم الرقم على عدد السكان، يصبح متوسط إنفاق الفرد اليومي أقل من تكلفة وجبة بسيطة، وهو ما ينسف الدلالة الضمنية للرقم من أساسها. الاقتصاد لا يُقرأ بالعناوين الضخمة، بل بالمتوسطات والنسب والسياق.
أما الزعم بأن 60 مليار جنيه تمثل 35% من الاستهلاك السنوي، فيتعارض مباشرة مع بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التي تشير إلى أن إجمالي الإنفاق السنوي على الطعام يقترب من نصف تريليون جنيه. الفارق بين 12% و35% ليس هامش خطأ، بل فجوة تحليلية كبيرة تغيّر معنى الصورة بالكامل.
المفارقة أن هذا الخطاب يتجاهل واقعًا موثقًا بالأرقام: أغلبية الأسر خفّضت استهلاكها من البروتينات والسلع الأساسية، ونسب انعدام الأمن الغذائي في ارتفاع. في ظل هذه المؤشرات، يبدو الحديث عن قفزة إنفاق رمضانية ضخمة منفصلًا عن الواقع المعيشي لقطاع واسع من المواطنين.
حين تصدر هذه الأرقام عن مدير مركز دراسات اقتصادية، فإن المسألة تتجاوز اختلاف التقديرات؛ نحن أمام مسؤولية علمية تتطلب دقة وتوثيقًا، لا أرقامًا مثيرة للانتباه. فالمبالغة في قراءة المشهد لا تصنع واقعًا أفضل، لكنها تضعف الثقة في الخطاب الاقتصادي نفسه.
