"صيام رمضان والمذاكرة".. التوقيت الذهبي لتعزيز التركيز والتحصيل الدراسي
أكدت الدكتورة سلمى أحمد المراسي، بقسم الفارماكولوجي بمعهد البحوث الطبية والدراسات الإكلينيكية بالمركز القومي للبحوث، أن شهر رمضان يفرض إيقاعًا مختلفًا على الحياة اليومية، حيث تتبدل مواعيد النوم، ونمط تناول الطعام، وساعات النشاط الذهني، ما يجعل كثيرًا من الطلاب يشعرون بأن يومهم الدراسي قد تغير بالكامل.
غير أن التساؤل الأبرز يظل حاضرًا كل عام: هل يؤثر الصيام سلبًا على المذاكرة والتركيز؟
وأوضحت في تصريح خاص لموقع «إيجبتك»، أن الرؤية العلمية الدقيقة تشير إلى أن التأثير لا يرتبط بالصيام ذاته، بل بطريقة تعامل الجسم مع هذه المرحلة الانتقالية، ومدى قدرة الطالب على تنظيم وقته ونومه وغذائه بشكل متوازن.
فخلال ساعات الصيام ينخفض مستوى الجلوكوز تدريجيًا في الدم، فيعتمد الجسم أولًا على مخزون الجليكوجين، ثم يتحول إلى استخدام الأحماض الدهنية وإنتاج الأجسام الكيتونية كمصدر بديل للطاقة.
ورغم أن المخ يعتمد أساسًا على الجلوكوز، فإنه يمتلك قدرة تكيفية تمكّنه من الاستفادة جزئيًا من هذه الأجسام الكيتونية، وهو ما قد يمنح بعض الصائمين إحساسًا بصفاء ذهني نسبي بعد الأيام الأولى من الشهر.
وأضافت أن التغيرات لا تقتصر على الجانب الأيضي فقط، بل تمتد إلى النواقل العصبية في الدماغ، مثل الدوبامين المسؤول عن الدافعية والانتباه، والسيروتونين المرتبط بالمزاج، والنورأدرينالين الذي يعزز اليقظة. في الأيام الأولى قد يشعر الطالب بخمول أو صداع، خاصة إذا كان معتادًا على تناول الكافيين صباحًا، حيث تظهر أعراض تشبه الانسحاب المؤقت. إلا أن الجسم غالبًا ما يتأقلم خلال عدة أيام، وتبدأ هذه الأعراض في التراجع تدريجيًا.
وأشارت الدكتورة سلمى إلى أن المشكلة الحقيقية لا تنبع من الامتناع عن الطعام، وإنما من اضطراب النوم والإفراط في تناول السكريات بعد الإفطار.
فالكربوهيدرات البسيطة ترفع مستوى السكر بسرعة، ما يؤدي إلى إفراز كثيف للإنسولين، يعقبه انخفاض نسبي في الجلوكوز، وهو ما يسبب الشعور بالنعاس وثقل الذهن.
لذلك يلاحظ كثير من الطلاب صعوبة في التركيز خلال الساعة أو الساعتين التاليتين للإفطار، قبل أن تعود القدرة الذهنية إلى التحسن مع استقرار المؤشرات الحيوية.
وحول أفضل أوقات المذاكرة في رمضان، أوضحت أن الفترة التي تلي السحور وصلاة الفجر تعد من أنسب الأوقات للاستذكار العميق، حيث يكون مستوى الجلوكوز مستقرًا نسبيًا، ويبلغ هرمون الكورتيزول ذروته الطبيعية، ما يعزز اليقظة والانتباه.
أما الساعات التي تسبق الإفطار فقد تشهد انخفاضًا في الطاقة، لذا يُفضل تخصيصها للمراجعة الخفيفة أو حل التدريبات البسيطة.
وبعد الإفطار بساعتين أو ثلاث، ومع اعتدال كمية الطعام واستقرار سكر الدم، يمكن استعادة مستوى جيد من التركيز يسمح باستكمال الدراسة بكفاءة.
واختتمت تصريحها بالتأكيد على أهمية تقليل الاعتماد على الكافيين تدريجيًا قبل رمضان، واختيار وجبات سحور غنية بالكربوهيدرات المعقدة والبروتينات لإمداد الجسم بطاقة ممتدة، مع تجنب الإفراط في السكريات عند الإفطار.
كما شددت على ضرورة الترطيب الجيد بين الإفطار والسحور، والحصول على نوم منتظم لا يقل عن ست أو سبع ساعات يوميًا.
وأكدت أن الصيام لا يمثل عائقًا حقيقيًا أمام التحصيل الدراسي للأصحاء، بل يمكن أن يكون فرصة لإعادة تنظيم العادات وتعزيز الانضباط الذاتي، إذا أُدير الشهر بوعي علمي يحترم طبيعة التغيرات الأيضية والعصبية التي يمر بها الجسم.
