خبير: طهران قادرة على إدارة الصراعات طويلة الأمد دون انفعال أو اندفاع
قال الدكتور محمد سعيد عبد المؤمن، أستاذ الدراسات الإيرانية، أن فهم سلوك إيران في ظل التصعيد العسكري الراهن، يتطلب قراءة تاريخها العميق وطبيعة بنيتها الجغرافية والسياسية، مشددًا على أن طهران لا تتحرك بردود أفعال متسرعة، بل وفق حسابات استراتيجية دقيقة تهدف إلى تعظيم أثر كل خطوة تتخذها في مواجهة أي عدوان، سواء كان من إسرائيل أو الولايات المتحدة.
وأوضح أن إيران دولة عريقة لم تخضع للاحتلال عبر تاريخها الطويل، واستطاعت تأسيس خمس إمبراطوريات كبرى، ما يعكس طبيعة الدولة المتجذرة حضاريًا والقادرة على إدارة الصراعات طويلة الأمد دون انفعال أو اندفاع غير محسوب.
الرد الإيراني صمت تكتيكي وتحرك محسوب
وأضاف عبد المؤمن، خلال مداخلة هاتفية على شاشة النيل للأخبار، أن إيران تعتمد منهجًا خاصًا في إدارة الصراع، يقوم على عدم كشف كامل أوراقها العسكرية أو قدراتها الفعلية، بل إظهار جزء محدود فقط مما تملك، في إطار استراتيجية الردع المتدرج.
وبين أن هذا الأسلوب يمنح طهران ميزة المفاجأة، ويجعل أي رد عسكري محتمل ذا أثر كبير سياسيًا وعسكريًا، ليس فقط لإثبات قدرتها على الدفاع عن نفسها، وإنما أيضًا لتأكيد موقعها الإقليمي ودعم الحركات الشيعية المتحالفة معها في المنطقة.
كما أن التأني الإيراني لا يعني ضعفًا، بل يعكس رغبة في أن يكون الرد مؤلمًا ومدروسًا، بحيث يرسخ صورة إيران كقوة إقليمية قادرة على الصمود حتى أمام الضغوط الأمريكية المباشرة.
هل تلجأ أمريكا إلى السلاح النووي؟
وحول احتمالية تصعيد أمريكي باستخدام السلاح النووي في حال نجحت إيران في تنفيذ ضربات مؤثرة داخل إسرائيل أو ضد أهداف أمريكية، اعتبر مؤمن أن هذا السيناريو مستبعد إلى حد كبير.
وأكد إن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتسم بالمبالغة، وأن نسبة كبيرة من تصريحاته لا تجد طريقها إلى التطبيق العملي، ما يجعل كثيرًا من الدول لا تأخذ تهديداته على محمل التنفيذ الفوري.
وأوضح أن البيئة الإيرانية لم تُدرس بشكل كافٍ من قبل صناع القرار في واشنطن، سواء من حيث التركيبة المجتمعية أو الطبيعة الجغرافية، وهو ما يقلل من فرص نجاح أي خيار عسكري شامل أو استخدام أسلحة ذات طابع كارثي.
عمق استراتيجي يصعب اختراقه
وتابع أن إيران تمتلك عمقًا جغرافيًا معقدًا، يتمثل في مساحات صحراوية واسعة وسلاسل جبلية شاهقة تحيط بالبلاد، ما يوفر لها بيئة ملائمة لإخفاء القدرات العسكرية الحساسة.
وأشار إلى أن الضربات السابقة التي استهدفت منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني لم تحقق الأهداف المعلنة، نظرًا لأن بعض المنشآت تقع في أعماق كبيرة تحت الأرض، يصعب التأثير عليها بضربات تقليدية.
واعتبر أن الحديث عن القضاء الكامل على القدرات النووية الإيرانية يفتقر إلى الدقة، مؤكدًا أن البنية التحتية الإيرانية صممت لتحمل سيناريوهات الاستهداف المتكرر.
دور الحلفاء أمام الوضع الراهن
وفيما يتعلق بدور الحلفاء، أوضح أستاذ الدراسات الإيرانية، أن روسيا والصين تلعبان دورًا مهمًا في دعم طهران، لكن هذا الدعم لا يظهر في العلن.
وأكد أن جزءًا من التقنيات العسكرية الحديثة التي حصلت عليها إيران وصل عبر قنوات دعم غير مباشرة، مشيرًا إلى أن تدريبات قوات الحرس الثوري شهدت تعاونًا مع خبرات عسكرية روسية.
وأضاف أن موسكو وبكين تتجنبان الإعلان الصريح عن دعم عسكري واسع حتى لا تنجرّا إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنهما توفران لإيران ما تحتاجه من تجهيزات وخبرات دون شروط معلنة.
الحرس الثوري قوة شعبية وأداة لضبط الأمن
وفيما يتعلق بقدرة الحرس الثوري على حفظ الأمن الداخلي في حال حدوث عمليات استخباراتية أو محاولات لزعزعة الاستقرار، أكد مؤمن أن هذه المؤسسة نشأت من رحم الشعب، ولذلك سُميت حرسًا ثوريًا شعبيًا.
ووضح أن مهمتها الأساسية منذ تأسيسها كانت حماية الشعب والنظام الذي اختاره، وليس ممارسة القمع ضده، مشيرًا إلى أنها تحظى بدعم رسمي وشعبي مكّنها من أن تصبح أحد أهم مراكز القوة في إيران.
وفي ختام حديثه، أكد أستاذ الدراسات الإيرانية، على أن إيران تستعد لكل السيناريوهات، سواء كانت عسكرية مباشرة أو أمنية داخلية، وأنها تراهن على مزيج من العمق التاريخي، والقدرات العسكرية المخفية، والدعم غير المعلن من حلفائها، إضافة إلى تماسك جبهتها الداخلية، في مواجهة أي تصعيد محتمل مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.

