من الخديوي إسماعيل حتى اليوم.. قصة الحصانة البرلمانية في مصر
بدأت قصة الحصانة البرلمانية في مصر منذ أكثر من قرن ونصف، مع تأسيس مجلس شورى النواب في عهد الخديوي إسماعيل عام 1866، حيث أُدخلت هذه الحصانة كضمانة لحماية النواب من الملاحقات القانونية أثناء أداء مهامهم التشريعية.
كانت الفكرة الأساسية أن يتمكن الأعضاء من مناقشة القضايا الوطنية بحرية دون الخوف من ضغوط أو تهديدات قانونية قد تعيق عملهم، خاصة في أوقات الانعقاد، ومع مرور الزمن، تطورت هذه الحصانة لتصبح جزءًا لا يتجزأ من النظام البرلماني المصري، تعطي النواب حماية قانونية مهمة، لكنها في الوقت ذاته لم تمنع مساءلتهم في الحالات التي تتطلب ذلك.
على مدار التاريخ السياسي المصري، شهدت الحياة البرلمانية مواقف عدة كان فيها رفع الحصانة البرلمانية عنوانًا لمساءلة النواب، مثل قضية إسقاط عضوية مكرم عبيد في خمسينيات القرن الماضي، وحالات أخرى أثارت جدلاً واسعًا حول حدود الحصانة وضرورة الحفاظ على سيادة القانون.
اليوم، تبقى الحصانة البرلمانية أداة قانونية توازن بين حماية حرية العمل النيابي ومسؤولية النواب أمام القانون، وتحددها قوانين واضحة تضمن تطبيقها بشكل عادل وشفاف.
ضوابط الحصانة البرلمانية في مجلس الشيوخ
مع استمرار إجراءات استخراج كارنيهات العضوية للفائزين في انتخابات مجلس الشيوخ، يتساءل كثيرون عن طبيعة الحصانة البرلمانية التي يتمتع بها الأعضاء، والتي تمنحهم حماية قانونية منذ التحاقهم بالمجلس.
تنص اللائحة الداخلية لمجلس الشيوخ على أن الحصانة البرلمانية تحمي الأعضاء من القبض عليهم أو اتخاذ إجراءات جنائية بحقهم إلا في حالة التلبس بجريمة. ولا يجوز اتخاذ أي إجراء جنائي ضد عضو مجلس الشيوخ في مواد الجنايات والجنح إلا بإذن مسبق من المجلس.
كما تحدد المادة 32 من قانون مجلس الشيوخ أنه في غير حالة التلبس، يجب الحصول على إذن مسبق من المجلس لاتخاذ أي إجراء جنائي، وفي غير دور الانعقاد يتطلب ذلك إذن مكتب المجلس، مع إخطار المجلس في أول انعقاد عن الإجراءات المتخذة.
ويُلزم القانون المجلس بالبت في طلب اتخاذ الإجراء الجنائي خلال مدة لا تتجاوز 30 يومًا، وإذا لم يتم البت خلال هذه المدة، يُعتبر الطلب مقبولًا.
تاريخ الحصانة البرلمانية ومواقف إسقاط العضوية
شهدت الحياة البرلمانية المصرية العديد من حالات إسقاط العضوية، ومن أشهرها جلسة إسقاط عضوية مكرم عبيد، سكرتير حزب الوفد سابقًا، قبل ثورة يوليو 1952، بعد استجوابه لرئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا.
كما تم إسقاط عضوية عبد الفتاح حسن، نائب رئيس حزب الوفد الجديد، في جلسة 26 يونيو 1978، بحجة ارتباطه بحكومة حزب الوفد قبل ثورة يوليو 1952، بناءً على قانون حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي.
في ذات الجلسة، تم أيضًا إسقاط عضوية أبو العز الحريري، عضو حزب التجمع.
وعلى صعيد أكثر حداثة، أسقط مجلس النواب في دورته السابقة عضوية النائب محمد أنور السادات بعد رفع الحصانة عنه بدعوى "الحط من قدر" المجلس، وكذلك عضوية النائب توفيق عكاشة بعد استضافته سفير إسرائيل في منزله.
الحصانة البرلمانية بين حماية العمل النيابي ومحاسبة النواب
تعتبر الحصانة البرلمانية في مصر إطارًا قانونيًا يوفر الحماية للنواب من الملاحقة القضائية أثناء أدائهم لمهامهم، لكنها ليست مطلقة، إذ يمكن رفعها واتخاذ إجراءات قانونية في حالات محددة.
وتسعى هذه الضوابط إلى ضمان موازنة حقيقية بين حرية التعبير والعمل النيابي، والمسؤولية القانونية والأخلاقية للأعضاء، لتأكيد سيادة القانون وحماية مؤسسات الدولة.


