إمبراطورية المال الحرام: كيف بنى الإخوان شبكتهم المالية العابرة للحدود؟
منذ نشأتها، عملت جماعة الإخوان على بناء منظومة مالية متنوِّعة وقادرة على البقاء، اعتمدت على اشتراكات الأعضاء، التبرعات، مؤسسات خيرية وطنية ودولية، مشاريع اقتصادية، بنوك وشركات أوفشور، ومنهجيات تتيح إخفاء المِلكية الحقيقية للأصول. هذه الشبكة لم تخدم فقط الأهداف الدعوية والسياسية للجماعة بل كانت أيضًا عمودًا أساسيًا لتمويل أنشطة مشبوهة واستثمارات تؤمّن استقلالية الحركة وقدرتها على النفوذ محليًا وإقليميًا ودوليًا.
لطالما أدركت قيادات الإخوان —من حسن البنا إلى قادة التنظيم الدولي— أن البقاء والترسيخ السياسي يتطلبان "قوة مالية" موازية للقوة الفكرية والتنظيمية، عبر عقود، تشكّلت إمبراطورية مالية تمتد داخل مصر وخارجها، وتستخدم أساليب تراوح بين المشروعة والملتوية لإخفاء مصادر الأموال ومساراتها، ما صنّفها في كثير من الأحيان كشبكة مالية معقّدة يصعب تتبّعها.
وجدت جماعة الإخوان الجمعيات والمراكز الإسلامية والمساجد في الداخل والخارج بابا مهما لجني الأموال، من خلال استغلال المشاعر الدينية، والحصول على نصيب الأسد من كعكة أموال التبرعات والهبات والصداقات في العالم العربي والإسلامي، بالإضافة لتوظيف مختلف القضايا السياسية وتغليفها بمفاهيم دينية مثل القضية الفلسطينية وقضية البوسنة والهرسك وكشمير وكوسوفا، وغيرها من منعطفات السياسة التي وجدت فيها الجماعة ضالتها لاستمالة المجتمعات الإسلامية والعربية إلى توجهاتها الغير مشروعة.

كثرة أموال الجماعة وتنوع مصادرها، جعلها تستخدم طرق عديدة مشروع وغير مشروعة في تعقيد معرفة مصادر رؤوس الأموال وحركتها، بعيدا عن الرقابة الأمنية والسياسية، من قبل دوائر صنع القرار في مختلف الدول العربية والأوروبية، وصعوبة تتبع تمويل أنشطتها المريبة، فضلا عن دعمها للحركات المتطرفة والمتشددة التي تنوب عنها في الكثير من الأحيان، وتقوم بأعمال عنف مسلح، تتفق مع أجندتها التخريبية في المنطقة.
الإمبراطورية المالية والاقتصادية للإخوان مرت بالكثير من المراحل على مستوى الجماعة الأم بالقاهرة، وعلى مستوى التنظيم الدولي الذي أعلن تشكيله رسميًا عام 1982 على يد مصطفى مشهور، وكان بداية لتدشين ومؤسسات خيرية واجتماعية أصبحت بابا لجلب الأموال وتدويرها من خلال مشاريع اقتصادية تدر ارباحا مستمرة تدعم توجهات التنظيم وانشطتها المختلفة في الداخل الغربي.
أولًا: الاشتراكات الشهرية
عمل حسن البنا منذ تأسيس جماعة الإخوان على توسيع طرق جمع الأموال من عناصر التنظيم تحت عدد من المسميات، كنوع من الهيمنة والسيطرة على مقدراتهم المالية، وجعلها تحت إمرة التنظيم، فاعتمدت على ما يسمى بـ "الاشتراكات الشهرية" التي تأخذ من الأعضاء، وتقدر بنحو 8 % إلى 10 % من دخل الفرد، وتطبق هذه الوسيلة على مختلف القواعد التنظيمية، عدا أفراد معينة نصت عليهم اللائحة المالية للجماعة.
وفقًا لدراسة منسوبة للدكتور حسين شحاتة أستاذ المحاسبة بجامعة الأزهر، المعني بإدارة الشؤون المالية والمحاسبية لجماعة الإخوان، فإن أموال الجماعة بلغت ما يقرب من نصف مليار جنيه سنويا، من بند اشتراكات الأعضاء وحده، وهو البند الأول في ميزانية الجماعة، يدفعها 400 ألف عضو عامل منتظم في أنشطة الأسر والشعب الإخوانية المنتشرة في كافة المحافظات وفقا لآخر إحصاء داخلي بالجماعة لعام 2008.
ثانيًا: أموال التبرعات والصداقات
اهتم حسن البنا وقيادات الإخوان على مدار تاريخ الجماعة، بالحصول على أموال المسلمين سواء اعضاء التنظيم أو من خارج الإطار التنظيمي، تحت مختلف المسميات سواء التبرعات أو الصداقات أو الزكاة، أو الإعانات والهبات، بهدف تدعيم انشطة الجماعة في الداخل والخارج، وفقا لفتاوى شرعية أجازت تلك الممارسات المالية.
ولعل البداية كانت بما طرحه عبد الحكيم عابدين عضو مكتب الإرشاد، و أقره حسن البنا ضمن اللائحة المالية للتنظيم، تحت ما يسمى بـ "سهم الدعوة"، وهي سياسة مالية خاصة بعناصر الجماعة أو المتعاطفين معها، قائمة على إخراج سهم منتظم من داخل الأفراد المقتدرين ماديًا بشكل شهري أو سنوي أو بما لا يقل عن 20 % من قيمة الإيراد للقادرين، مع استمرار دفع الاشتراك الشهري.
لم يكتب لهذا المشروع النجاح في بداية الأمر، لكن منذ مرحلة التوسع في تأسيس التنظيم الدولي، تم إقراره بما يسمح للمقتدرين بالإنفاق على أنشطة الجماعة ومشروعاتها، نظرا لاختلاف القدرات المالية للأفراد، وانضمام رجال أعمال وتجار وشخصيات ميسورة لديها إمكانية التبرع بشكل مستمر .
وفقًا لدراسة الدكتور حسين شحاتة، فإن الجماعة تحصل على نسبة من أرباح شركات رجال الأعمال الإخوانيين يتم إدراجها تحت بند التبرعات، والتي وصل حجمها في 2012 إلى 20 مليون جنيه، دفعها خيرت الشاطر وحسن مالك، ومدحت الحداد، وممدوح الحسيني وأحمد شوشة.
على حين كشف الدكتور عبد الخالق فاروق، في دراسته حول اقتصاديات الإخوان، أن مجموع حصيلة الزكاة من أعضاء التنظيم والمتعاطفين بلغت 5 مليارات جنيه، عام 2012.
ثالثًا: المؤسسات والمنظمات الإسلامية في الخارج
عملت الجماعة منذ مرحلة ما بعد الرئيس جمال عبد الناصر، على الانفتاح في تأسيس المراكز الإسلامية في الخارج تحت عشرات اللافتات، التي سمحت لها بجمع الأموال والحصول على التبرعات والصداقات والهبات المالية من الأقليات العربية والإسلامية وأنصار التيارات الإسلامية المتنوعة، لتدعيم توجهات الإخوانية وأنشطتها سواء المعلنة أو الغير معلنة.
فتم تأسيس المراكز والجمعيات الإسلامية والاجتماعية في الغرب، والمعنية بجمع الأموال بشكل عام، والهيئات الإسلامية العاملة تحت بند الإغاثة، وتمثل محرك مهم في حركة الأموال وجمع التبرعات في أكثر من 72 دولة حول العالم، فضلًا عن الأموال القادمة من الدول الراعية والداعمة للإخوان، والأموال القادمة من بعض المؤسسات والكيانات الدعمة للإخوان في الخارج ولها علاقة بالأجهزة الاستخباراتية ودوائر صنع القرار الدولية، التي تستخدم الإخوان كأداة لتحقيق مصالح في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية .
وعلى سبيل المثال تأسست في أوروبا عدد من المنظمات لهذه الأهداف والتوجهات نفسها، وقامت بجمع الأموال من خلال اشتراكات الأعضاء والتبرعات والهبات من المواطنين الأوروبيين، ومنها مركز الثقافة الاجتماعية للمسلمين في لوزان بسويسرا وتم تأسيسه عام 2002، ومؤسسة التأثير الثقافي والاجتماعي التي أنشئت عام 2010، واتحاد مسلمي سويسرا وتم إنشاؤها عام 2006.
بجانب كل من مؤسسة "ماس" و"كير"، و"اسنا"، وهي مؤسسات شرعية تمثل جماعة الإخوان في الولايات المتحدة الأمريكية، كما يوجد في أمريكا منظمة الشباب المسلم، ويعتمد الإخوان على هذه المؤسسات في جمع الأموال.
كما أسس التنظيم الدولي "منظمة الإغاثة الإسلامية" في ثمانينات التي تعد من أبرز تلك المؤسسات الإخوانية في عملية جمع الأموال من مختلف دول العالم، إذ يمتد نشاطها بحوالي 40 دولة حول العالم، وأوضحت الكثير من التقارير الدولية أنها من أبرز روافد تمويل الإرهاب الإخواني في العالم.
وكانت السلطات المصرية رفضت إنشاء فرع لمنظمة "الإغاثة الإسلامية" داخل القاهرة، خلال مرحلة الرئيس الأسبق حسني مبارك، ما دفعهم لتوظيف لجنة "الإغاثة الاسلامية" بنقابة الاطباء المصرية، واتحاد الأطباء العرب الذين سيطروا عليه في توظيف تلك اللجنة كبديل لفرع المنظمة داخل القاهرة.
وأشرف على عمل تلك اللجنة الدكتور أحمد الملط، نائب مرشد الإخوان حينها، وعبدالمنعم أبوالفتوح، وأشرف عبدالغفار، أمين عام مساعد نقابة الأطباء سابقاً وأحد المتهمين في قضية غسيل أموال التنظيم الدولي للإخوان.
رابعًا : المشاريع الاستثمارية والاقتصادية
(أ) داخل مصر
لم تقتصر مصادر جماعة الإخوان في جمع الأموال على الاشتراكات الشهرية التي يدفعها أعضاؤها أو على التبرعات والصداقات، لكنهم اتجهوا إلى تدوير تلك الأموال وتنميتها، لتحقيق عدة أهدافها منها إخفاء حقيقة مصادر رؤوس الأموال، واخفاء الحركة المالية وأوجه الأنشطة التي تنفق فيها، فضلًا عن الدعاية للنموذج الإسلامي الاقتصادي وفقًا لرؤية الجماعة وتوجهاتها.
إذ عمل البنا منذ تأسيس الجماعة على إنشاء الشركات والمصانع، مثل شركة المعاملات الإسلامية، والتي أنشأت مصنعًا للنحاس وآخر للبلاط والإسمنت، والشركة العربية للمناجم والمحاجر، وشركة الإعلانات العربية، وشركة الغزل والنسيج، وشركة التجارة وأشغال الهندسة.
عقب خروج الإخوان من السجن، ودخولهم في صفقة سياسية من نظام الرئيس أنور السادات، في منتصف السبعينات، علموا على صناعة الإمبراطورية المالية للتنظيم من خلال التوسع في تأسيس الشركات والمصانع والمشاريع التجارية الشعبية.
إذ أتاحت لهم حالة التفاهم مع نظام السادات، حرية الحركة والنشاط الدعوي والسياسي والاقتصادي، وشهدت تلك المرحلة ميلاد رجال أعمال محسوبين على جماعة الإخوان ومشروعها، فضلا عن تأسيس عدد كبير من الشركات والمصانع والمدارس الخاصة والمراكز التعليمية والمستشفيات، ودور الطباعة والنشر، وشركات تكنولوجيا المعلومات.
وفقًا لدراسة الاستقصائية التي أجراها الدكتور عبد الخالق فاروق، حول اقتصاديات الإخوان، كشفت أن حصيلة الإيرادات المجمعة سنوياً لتنظيم الإخوان في مصر من المشاريع الخاصة لا تقل عن 8,2 مليار جنيه.

(ب) خارج مصر
عقب مرحلة الصدام بين الرئيس جمال عبد الناصر والإخوان، اتجهت الجماعة لفتح مساحات واسعة في المنطقة العربية، وفي أوروبا، إذ عملت على التوسع الأفقي والرئاسي في صناعة منظومة الكيانات الإخوانية سواء الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية في الغرب بشكل عام.
امتلك التنظيم الدولي عددا من الشركات والمؤسسات الاقتصادية في قارات العالم المختلفة وأشرف عليها رجال التنظيم الدولي، ومن أبرزهم إبراهيم كامل مؤسس بنك "دار المال الإسلامي "(DMI)، ومقره الرئيسي في ناساو بجزر البهاما، كما أنشأ كل من يوسف ندا، وهمت غالب وآل يوسف القرضاوي "بنك التقوى"، والذي تم إغلاقه عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والذي كان مقره أيضًا في ناساو بجزر البهاما، وبالمثل أسس إدريس نصر الدين ، "بنك العقيدة الدولي" و"بنك أكيدا الدولي"، في ناساو بجزر البهاما، في "ناسو".
حول الإخوان هذه الشبكة من الشركات المصرفية وشركات التأمين والشركات البحرية، كغطاء لفتح حسابات مصرفية وتسهيل عمليات نقل وغسيل الأموال، بسبب صعوبة تتبع مسارات هذه الأموال المحمية بموجب قوانين السرية المصرفية؛ بالإضافة لعدة شركات عبر القارة الأوروبية منها شركة (Stahel Hardmeyer AG in Nachlassliquidation )، والتي تأسست في مارس 1967، ويتخطى رأس مالها 18٫3 ملايين فرنك سويسري، وتعمل الشركة في مجال تجارة الجملة والمنسوجات القطنية، ولديها عدد من الشركات التابعة في عدد من الدول، منها بريطانيا وجزر العذارى البريطانية، وشركة (BS Altena AG) ، وتم تأسيسها في 2010 وتعمل في مجال العقارات طويلة الأجل، ووفقا لتقرير نشره مركز المساعدة والدراسات الإستراتيجية بواشنطن.
نجح الإخوان بالتوازي مع بداية ظاهرة "البنوك الإسلامية" الحديثة، في بناء هيكل متين من شركات "الأوف شور"، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من قدرتها على إخفاء ونقل الأموال حول العالم، فهي شركات يتم تأسيسها في دولة أخرى غير الدولة التي تمارس فيها نشاطها، وتتمتع هذه الشركات بغموض كبير يجعلها بعيدة عن الرقابة.
وتنتشر الشبكة المالية للإخوان من الشركات القابضة والتابعة، والمصارف الصورية، وغيرها من المؤسسات المالية، في بنما وليبيريا، وجزر فيرجن البريطانية، وجزر كايمان، وسويسرا وقبرص ونيجيريا، والبرازيل والأرجنتين وباراجواي.
الكثير من التقارير الاستخبارات الأوروبية حذرت من تنامي نفوذ الإخوان في أوروبا، بسبب توسعهم في انشاء المشروعات الاقتصادية والاجتماعي، بهدف التغلغل في دول الاتحاد الأوروبي والتأثير فيه.
ولا يمكن تجاهل ما كشفته الأجهزة الأمنية الغربية، وعرف إعلامًيا "غزو الغرب.. المشروع السرى للإسلاميين"، وهي الوثائق التي ضبطت في فيلا يوسف ندا، وتعود لعام 1982، ونشرها السويسري سيلفان بيسون، وتضمنت بنودا حول التمويل والدعم المالي، مثل : جمع أموال كافية لاستمرارية الجهاد، والبحث عن امتلاك أغلب رءوس أموال البنك، بما يتيح القدرة على إدارته والسيطرة عليه، وخلق تغطية في إطار قانوني للاستثمارات؛ للحفاظ على سِرِّية التعاملات المالية.
كما وردت تلك المشاريع في وثيقة "الجهاد الحضاري"، الإخوانية وهي وثيقة كتبت عام 1991 ، تحت عنوان "مذكرة تفسيرية.. الهدف الاستراتيجي العام للجماعة في أمريكا الشمالية"، مؤكدة "ضرورة اعتماد مفهوم التمكين للإخوان في أوروبا، وأن ذلك يستلزم وجود مؤسسات تابعة للجماعة مثل وسائل إعلام وأحزاب سياسية وكيانات اقتصادية مثل البنوك والشركات".
خامسًا: نمط ملكية المشاريع الاقتصادية
تندرج حركة الأموال والأصول المالية داخل جماعة الإخوان، وفق الملكية الظاهرة والملكية الباطنة، تحت عدة مستويات داخل التنظيم.
(1) كيانات ومؤسسات ومشاريع اقتصادية تؤول ملكيتها للجماعة بنسبة 100%، ويديرها ممثلين عن التنظيم، بـ"أوراق ضد"، سواء كانوا إخوانا أو غيرهم، تهربًا من المصادرة والملاحقات الأمنية من قبل أجهزة الدولة المصرية.
(2) كيانات ومؤسسات ومشاريع اقتصادية يختلط فيها أموال الجماعة مع أموال قياداتها من رجال الأعمال، أو من رجال الأعمال المتعاطفين معها، ويكون فيها ممثلين عن أموال الجماعة بـ" أوراق ضد" أيضا.
(3) كيانات ومؤسسات ومشاريع اقتصادية، تخص قيادات التنظيم بشكل خاص، لكن يكون للجماعة نصيب فيها من قيمة الأرباح التي تتراوح بين نسبة الـ7% و10 %، ومن ثم يكون يصبح للتنظيم جزء في هذه الأموال في حالة التراكم الربحي، أو إعادة تدوير هذ الأموال.
فمنذ ثمانينات القرن الماضي، اعتمدت جماعة الإخوان، في مؤسساتها الاقتصادية بما يسمى "أوراق الضد"، كصيغة قانونية للهروب من شبح المصادرة المالية في حال الصدام مع النظام السياسي، عن طريق إخفاء تبعية بعض الكيانات الاقتصادية، ونقل ملكية شركاتها ومؤسساتها لرجال أعمال على مقربة من التنظيم، على أن تمتلك الجماعة النصيب الأكبر من أسهمها، أو تكون بالمناصفة، ويتم توجيه نسبة كبيرة من أرباحها للمساهمة في تمويل انشطتها داخل مصر وخارجها.
ومنذ سقوط حكم المرشد في يونيو 2013، وتصنيف الجماعة على قوائم الإرهاب، ومصادرة ممتلكاتها قضائيا، عقب تورطها في تمويل الأنشطة الإرهابية، مازلت الأجهزة الأمنية المصرية تكتشف العديد من الشركات والمؤسسات التي تتبع بشكل مباشر التنظيم الإخواني، وتعتبر مصدرا مهما لنقل الأموال عبر طرق متعددة وملتوية لإخفاء هويتها الحقيقية وولائها للإخوان وأعوانهم.
سادسًا: المال القطري
لعبت الدوحة دورًا فاعلًا في تمويل جماعة الإخوان والمراكز والمؤسسات التابعة لها في الداخل والخارج، ووفقا لعدد من الدراسات والابحاث الاستقصائية التي تتبعت تمويل عدد من المنظمات المحسوبة على التنظيم الدولي، كشفت حجم هذه التمويلات وإعادة انفاقها على مشاريع فكرية يتم تنفيذها بهدف تمرير مشروع الإخوان في الغرب، وفي المنطقة العربية، مثل "المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية" و"اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا".
فقد لعبت المؤسسات الإسلامية الممولة من الدوحة دورًا مزدوجًا في تلقي الأموال وإعادة تمريرها إلى كيانات أخرى بهدف تعقيد صعوبة الوصول لرأس المال الحقيقي ومصدر، عبر الذراع الرسمية "مؤسسة قطر الخيرية"، التي أسستها الشيخة موزة، وتسهم في تمويل التطرف والإرهاب في دول أوروبية، وعشرات المدن الفرنسية.
ووفقًا لكتاب "أوراق قطر"، للصحفيين الفرنسيين جورج مالبرونو، وكريستيان شينو، فإن التمويلات القطرية لا تتم من خلال عمليات غير مشروعة لكنها تستخدم اساليب ملتوية ومعقدة تدفع لصعوبة التتبع لحركة هذه الأموال، لاسيما أن المؤسسات المتلقية وظفت هذه المنح في مشاريع اقتصادية بهدف غسل هذه الأموال من خلال شركات صرافة، وشركات عقارية، ومؤسسات تعليمية.
وأسست الدوحة "صندوق جسور"، القطري، في إبريل 2016، بفرنسا، بهدف تنوع المؤسسات الممولة للمراكز الإخوانية، وأصبح فاعلا في تطبيق استراتيجية "قطر الخيرية"، كما أنه شريك أساسي مع جمعية "أمل"، أحد المنظمات التابعة لجماعة الإخوان في أوروبا ومعنية بالإشراف على أعمال البناء والتشييد الخاصة بهذه المنظمات.
أشراف على تأسيس وإدارة "صندوق جسور"، أيوب أبو اليقين، أحد رجالات النظام السياسي القطري في أوروبا، ويعتبر بمثابة وسيط قطري في عمليات التمويل لعدد كبير المنظمات الإخوانية في فرنسا وأوروبا.
ويعتبر المانحين الأساسيين لـ"صندوق جسور"، القطري، أحمد الحمادي، مدير مشروع "الغيث"، والشيخ مشعل بن سلمان، والشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، والشيخ حماد عبد القادر، مدير عام منظمة الدعوة الإسلامية بقطر، وصلاح الحمادي، وعدد من الشخصيات الكويتيىة فضلا عن 10 سيدات من المعنيين بجمع التبرعات والزكاة والصداقات.
وفي صيف عام 2017، اشتعلت الخلافات بين البنوك الفرنسية وجمعية "أمل"، و"صندوق جسور"، نتيجة رفض قبول تحويلات مالية قادمة من دول الخليج وفي مقدمتهم الكويت، نظرًا لتشككهم في مصدر وأهداف هذه الأموال.
وفي نهاية 2017، وجه مسؤولون فرنسيين انتقادات بالغة إلى "صندوق جسور"، ومديره أيوب أبو اليقين"، بسبب توجيه قسًما من الأنشطة الممولة إلى انشطة اقتصادية تنافسية مثل إقامة المحلات التجارية والعيادات الطبية والمؤسسات التعليمية، وغيرها من المؤسسات الربحية، ما يعد مخالفة وفقًا للقانون الفرنسي.
وعقب مقاطعة الرباعي العربي لقطر، وإدراج جمعية قطر الخيرية في الدوحة على قوائم الإرهاب ضمن 12 منظمة قطرية، فضلًا عن اتجاه الإدارة الأمريكية لوضع "قطر الخيرية" تحت المراقبة تشككًا في تمويلها للأنشطة الإرهابية، قررت الدوحة تغيير اسم فرع "قطر الخيرية" ببريطانيا، التي تولى مسؤوليتها (أيوب أبو اليقين)، إلى شركة "نكتار ترست"، في نهاية عام 2017، للهروب من عملية الملاحقات الأمنية وتتبع حركة الأموال والتمويلات القطرية في الخارج.
وكشفت الكثير من التقارير الاستخباراتية الغربية، أن قطر مولت أكثر من 140 مشروعًا يعمل على نشر أفكار وأهداف التنظيم الدولي للإخوان في فرنسا وأوروبا، ضمت مراكز ومؤسسات ثقافية وتعليمة ودعوية، فضلا عن بعض المؤسسات الاقتصادية.
وقد كشف وثائق استخباراتية أن "قطــر الخيرية"، قامت بتمويل انشــطة وتحركــات جمعيــات ومنظمــات يمنية في مقدمتهــا منظمة الكرامــة القطرية، ومنظمة رايتــس رادار، وأشرف عليها، خالد الحمادي، وكذلك منظمة سـام للحقــوق والحريــات التي وأشرف توفيــق الحميدي ونبيل الصلاحي، ومنظمة (توكل كرمان)، وهي منظمات تقوم بتوفــير غطاء حقوقي وقانوني لعناصر تنظيم القاعدة والجماعــات المتطرفة في المحافل الدولية.
بجانب قيام بنك "الريان" القطري، بتمويل مجموعة من المراكز والمؤسسات التابعة لجماعة الإخوان داخل بريطانيا، بالإضافة لحساب بنكي يمول قنوات فضائية تابعة لجماعة الإخوان ويمتلكه إمام أحد المساجد ببريطانية.
سابعًا: المسالخ (المجازر) الإسلامية
منذ تواجد الإخوان في الداخل الأوروبي، اتجهوا للاستثمار فيما يعرف بـ"المذابح الحلال"، أو "المسالخ الحلال"، وتخضع غالبيتها لجمعيات ومراكز إسلامية تابعة للتنظيم الدولي.
إذ أن الذبح الحلال يخضع لرسوم وضرائب تتقاسمها الجمعيات المشرفة مع السلطات المحلية، وغيرها من السلطات في دول المهجر وإقامة الجاليات المسلم، وتبلغ إيراداتها نحو 7 مليارات دولار سنويا.
وقد أصبحت "المسالخ الحلال" بمثابة شبكة كبيرة وضخمة في الداخل الأوربي يسيطر عليها قيادات التنظيم وتصب أرباحها في النهاية في خزينة الجماعة وتنظيمها الدولي.
ثامنًا: المنح الدولية
استغل الإخوان هامش الحريات في الغرب، واتجهوا لتأسيس المنظمات والمؤسسات التي تتلقى تمويلات من بعض الجهات التي تدعم تعزيز مسارات حقوق الإنسان، ودعم التوجهات السياسية، فضلا عن أن بعض دوائر صنع القرار وظفت الإخوان وقياداتها في الخارج من أجل حصد وأصوات الناخبين.
فقد كشف حزب I&D اليمينى في البرلمان الأوروبي أن الاتحاد الأوروبي دفع 36.5 مليون يورو لجماعات لها صلات بجماعة الإخوان ، والتي تتضمن أجندتها أسلمة أوروبا، وقال عضو لجنة الميزانية فى البرلمان الأوروبي "يواكيم كوهس"، "أن الاتحاد الأوروبي يمول منظمات التي لها علاقات وثيقة مع المنظمات المتطرفة المرتبطة بالإرهاب مثل جماعة الإخوان".
تم اكتشاف هذا الأمر من قبل نائب رئيس I&D نيكولاس باي من خلال البحث في نظام الشفافية المالية للاتحاد الأوروبي للسنوات 2014-2019 عن منظمات الإخوان الأوروبية الرئيسية، وفي هذه السنوات الخمس، دفع الاتحاد الأوروبي ما مجموعه 5،422،678 مليون يورو إلى الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية، التي تضم في عضويتها "منتدى المنظمات الشبابية والطلابية المسلمة الأوروبية (FEMYSO) ، وهي منظمة تابعة للإخوان المسلمين.
تاسعًا: الفساد المالي
على الرغم من وجود لوائح شكلية تنظم أنشطة الجماعة ونفقاتها، إلا أن تلك اللوائح لم تمنع قيادات الإخوان من الحرص على سرية أوجه مواردها وإنفاقها، وهو ما فتح المجال أمام عناصر لفضح الكثير من المخالفات عبر منصات السوشيال ميديا، وتوجيه الاتهامات لعدد من القيادات بسبب استيلائهم على الكثير من الأموال نتيجة غياب الرقابة والمحاسبة.
إذ يرى العضو السابق في مجلس شورى الجماعة، الدكتور عبد الستار المليجي، أن هناك لغز غامض في مصادر تمويل الإخوان وحقيقة ميزانيتها، نتيجة سيطرة بعض قيادات مكتب الإرشاد عليها، وأن الجماعة تتلقي تبرعات هائلة من الخارج والداخل ولا أحد يعلم عنها شيئاً، كما أنه لا توجد لجان لحصرها والإشراف على هذه التبرعات والمنح.
وترتبط أهم أبواب المخالفات وأوجه الاختلاسات المالية للتنظيم الإخواني بتحركات مكتب الإخوان المصريين في الخارج، من خلال النشاط الاعلامي المتمثل في سبوبة عقد المؤتمرات والندوات السياسية، وحملات طرق الأبواب للكيانات الرسمية والغير رسمية، في العواصم الأوربية، بهدف الترويج لقضايا الإخوان مع النظام المصري.
يضاف إلى ذلك لقاءات التواصل مع دوائر صنع القرار والسياسيين في الغرب للدفاع عن قضايا الجماعة، والتعاقدات مع شركات العلاقات العامة، لتحسين صورة الجماعة في الخارج مقابل تشويه الدولة المصرية، والتعاقد مع شركات الاستشارات القانونية بهدف رفع الدعوى القضائية صد النظام السياسي المصري.
كما يعتبر ملف انشاء القنوات الفضائية واللجان الإلكترونية والمواقع والمنصات الإخبارية التي تستهدف الدولة المصرية، من الملفات التي شهدت مخالفات مالية كبيرة، والتنسيق والتعاقد مع المراكز والمنظمات الحقوقية الدولية بهدف إصدار التقارير والبيانات الملفقة ضد الدولة المصرية، وملف إقامة المكاتب الإعلامية الخاصة برابطة الإخوان المصريين في الخارج للترويج لملف الإخوان في مصر.
عاشرًا: شهادات الفساد المالي
الفساد المالي داخل تنظيم جماعة الإخوان، أحد أهم الأسباب لانشقاق كثيرين من أعضائها، وهو ما شهد به اعضاء الجماعة أنفسهم في العديد من المناسبات، الفساد الذي بدأ في السنوات الأولى من عمر الجماعة، ليزيد ويتضخم مع انتشار وتزايد حجم التنظيم واستثماراته وأمواله، حتى أصبح محل الحديث مؤخرا.
(أ) أمير بسام
كانت عناصر إخوانية موالية لجبهة "الكماليون"، سربت تسجيلًا صوتيًا منسوبًا لعضو مجلس شورى جماعة الإخوان، الدكتور أمير بسام، والهارب حاليًا خارج مصر، كشف فيه حجم المخالفات المالية داخل تنظيم الإخوان المصريين الهاربين إلى تركيا.
(ب) عصام سلطان
في منتصف الستينيات كان هناك عدد من الكوادر الإخوانية الرئيسية التي شككت في الملف المالي للإخوان، منهم المحامي عصام سلطان، الذي أمضى 16عامًا عضوًا في جماعة الإخوان، وأحد المقربين من الرموز التاريخية للجماعة، حيث قال في حوار: "طبعاً هناك فساد وإفساد مالي ضخم داخل التنظيم، لأنه لا توجد رقابة على مصادر الصرف، ولا توجد ميزانية ثابتة، ولا وجود لأرقام حصرية حول حجم الاشتراكات أو التبرعات أو التحويلات التي تأتي من الخارج".
(ج) عبد الستار المليجي
يعد عبد الستار المليجي من القيادات الإخوانية المنشقة عن الجماعة، ومن قيادات مكتب شورى الجماعة، الذين رصدوا المخالفات المالية وجمعها في رسالة بعنوان "أموال الإخوان من أين وإلى أين"، وأرسلها لمكتب الإرشاد للمطالبة بمعرفة منافذ صرف أموال الجماعة.
التوصيات
(1) يعتبر مواجهة المالي الإخوان من أهم عوامل مكافحة الإرهاب والتطرف، إذ أن المصادر المالية منحت التنظيم القدرة على اختراق المجتمعات والتغلغل في مفاصل مؤسساتها، والعمل على تغيير هويتها الفكرية والثقافية والدينية بما يتماهى ويتوافق مع أدبيات المشروع الإخواني، ومن ثم لابد من اتباع نظم مالية واقتصادية، وأسس تكنولوجية حديثة تمكن الدولة من تتبع وملاحقة المال الإخواني، ومصادره تمويله وانفاقه.
(2) ايجاد رقابة صريحة على أموال الزكاة والصداقات والتبرعات، وجعلها تحت مظلة الدولة المصرية، وضخها في مسيرة التنمية الشاملة، وعدم تركها للمجتمع المدني والجمعيات الأهلية، لكونها تصل في النهاية بشكل مباشر أو غير مباشر إلى يد الجماعات المتطرفة.
(3) وضع رقابة مالية على مختلف العناصر الموالية للمشروع تيارات الإسلام السياسي، لضبط حركة الأموال وتدفقاتها التي تمثل عصب الجماعات المتطرفة في تنفيذ وتطبيق توجهاتها، في الداخل المصري، مع تشديد المراقبة والتتبع لعمليات التحويل المالي لقطع التواصل بين خلايا التنظيم في الداخل والخارج .
(4) ضرورة تشكيل جبهة عربية موحدة لمحاصرة التدفقات المالية الإخوانية، التي تدعم الإرهاب، مع الاستمرار في مقاطعة الدول الراعية للتطرف والإرهاب، وفضحها أمام المجتمع الدولي.
(5) المخاطبة الدائمة لدوائر صنع القرار في الغرب لكشف حقيقة المشروع الإخواني تقديم مختلف الأدلة لوقف عمليات الدعم المستمرة، والتوسع في المشاريع والكيانات الاقتصادية التي تمثل أحد مصادر التمويل، مع ضرورة التعاون والتنسيق الأمني مع الدول العربية والغربية في تشكيل منصات للرقابة والمتابعة المالية والوسائل الحديثة التي تستخدمها الإخوان وتيارات الجماعات المتطرفة، لجنى الأموال وإعادة تدويرها وانفاقها في أعمالها الإرهابية .
عمرو فاروق*
كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي
المراجع
(1) كتاب "أوراق قطر"، للصحفيين الفرنسيين جورج مالبورنو، وكريستيان شينو 2019.
(2) كتاب "اقتصاديات الإخوان في مصر والعالم"، عبدالخالق فاروق، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 2014.
(3) كتاب " الإخوان المسلمين.. قراءة في الملفات السرية"، عبد الرحيم علي، الهيئة المصرية العامة للكتاب2012.
(4) كتاب "مجتمع الإخوان"، ميتشيل ريتشارد، مكتبة مدبولي عبد السلام رضوان .
(5) دراسة "الإخوان المسلمون: النشأة والأفكار والنظام، دكتور يسري العزباوي، مجلة ميدل ايست.
(6) مصادر تمويل الإخوان من الخارج".. تحقيق استقصائي لمؤسسة أريج.
(7) الإخوان المسلمون بين التاريخ والمستقبل.. كيف كانت الجماعة وكيف تكون؟"، الدكتور وحيد عبدالمجيد، مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع 2010.
(8) اللائحة الداخلية لجماعة الإخوان
(9) مذكرات الدعوة والداعية"، حسن البنا، دار التوزيع والنشر
(10) الإخوان المسلمون.. وجذور التطرف الديني في مصر"، السيد يوسف، الهيئة العامة للكتاب 1999.
(11) الإخوان المسلمون .. أحداث صنعة التاريخ"، محمود عبد الحليم، دار الدعوة 1981.
(12) "من داخل الإخوان المسلمين"، يوسف ندا مع دوجلاس تومسون، دار الشروق 2012.
(13) "سر المعبد" ثروت الخرباوي 2012.
(14) النازيون والاستخبارات الأمريكية وصُعُود الإخوان في الغرب"، شتيفان ماينينج 2011.
(15) دراسة " كامبيوني والتقوى والأذرع المالية للإخوان المسلمين"، يان هاميل، مركز دارسات الشرق الأوسط بباريس 2018.
(16) كتاب " مسجد في ميونخ.. بزوغ نجم الإخوان المسلمين في الغرب"، إين جونسون، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ترجمة أحمد جمال أبو الليل 2015.
(17) دولة الخلافة الإخوانية" عمرو فاروق، دار كنوز2010
(18) سردايب الشيطان.. صفحات من تايخ الإخوان"، أحمد رائف 1989.
(19) الإخوان المسملون.. سنوات ما قبل الثورة"، حسام تمام، دار الشروق 2012 .



