رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

وكيل الأزهر: العقل في التصور الإسلامي ليس خصما للنص بل أداة الفهم ووسيلته

الدكتور محمد الضويني
الدكتور محمد الضويني

قال الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر، إن الحديث عن الأزهر والاحتفاء به ليس حديثا عن مؤسسة تعليمية فحسب، بل هو احتفاء بتاريخ من الاجتهاد، ومسيرة من الدفاع عن ثوابت الدين، وإعلاء لقيمة العقل في ضوء الوحي، وربط وثيق بين كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث عن رسالة ممتدة، وعن عقل حي نابض عبر القرون، يجمع بين نور الوحي وصحة العقل، وبين أصالة التراث ومتطلبات العصر، لذا فلا عجب حين يكون موضع تقدير واهتمام من القادة والملوك والزعماء طوال تاريخه العريق وحتى يومنا هذا، وكعبة لطلاب العلم من شتى أنحاء العالم.

الإسلام جاء برسالة تخاطب العقل الإنساني

وأضاف وكيل الأزهر خلال الاحتفالية الكبرى التي نظمها الأزهر بمناسبة مرور 1086 عاما على تأسيسه، أن الأزهر أدرك منذ خطواته الأولى أن الإسلام جاء برسالة تخاطب العقل الإنساني، وتحرر طاقاته، وتدعوه إلى العلم، فكانت أول كلمة نزلت من القرآن الكريم قوله تعالى: «اقرأ»، ولم تكن هذه الكلمة مجرد أمر بالتلاوة، بل كانت إعلانا عن ميلاد أمة تعلي من شأن المعرفة، وتبني حضارتها على أساس العلم، ومن هنا كانت مكانة العقل في الإسلام مكانة رفيعة، إذ لم يخاطب القرآن الإنسان بوصفه كائنا منقادا بلا وعي، بل خاطبه بوصفه عاقلا مفكرا، مسؤولا عن اختياراته وأفعاله، فجاءت آياته تحث على التفكر والتدبر والنظر في الآفاق والأنفس، وتستنكر الجمود والتقليد الأعمى، وكم نقرأ قوله تعالى: «لعلهم يتفكرون»، وقوله: «أفلا يتدبرون القرآن» فهذه الدعوات ليست أساليب بلاغية متنوعة فحسب، بل هي تأسيس لمنهج حضاري يجعل من العقل شريكا في تحمل أمانة الاستخلاف.

وتابع الدكتور محمد الضويني، أن العقل في التصور الإسلامي ليس خصما للنص، ولا نقيضا للوحي، بل هو أداة الفهم ووسيلته إلى إدراك المقاصد وسلمه إلى اليقين، وجسر العبور من الألفاظ الظاهرة إلى المعاني الكامنة، وإذا كان العقل في الإسلام محل تكريم وتقدير، فإن هذا التكريم لا يعني إطلاقه من كل قيد، ولا جعله حاكما مطلقا على النصوص، بل يعني توجيهه وترشيده وربطه بالوحي الذي ينير له الطريق؛ فالعقل قد يضل إذا استغنى عن هداية السماء، كما أن النص قد يساء فهمه إذا عزل عن أدوات النظر والاجتهاد الرشيد؛ لأن العقل البشري -على جلال قدره- محدود بحدود الزمان والمكان والتجربة، ومن هنا كان الوحي هداية للعقل، يرشده ويقومه، ويضع له الإطار الذي يحفظه من الضلال، فالعلاقة بين العقل والوحي في الإسلام علاقة تكامل لا تصادم، وتعاون لا تناقض، وإذا بدا تعارض بين عقل ونص، فإنما يكون الخلل في الفهم أو في الاستدلال، لا في أصل الدين.

المنهج الأزهري قائم على الجمع بين المعقول والمنقول

واستكمل حديثه أن المنهج الأزهري قائم على الجمع بين المعقول والمنقول، بين الدليل النقلي والدليل العقلي في توازن دقيق حمى الأمة من الإفراط والتفريط، وقد تجلى هذا التوازن في علوم الشريعة الإسلامية، ولا سيما في علم أصول الفقه، الذي يعد من أعظم إبداعات العقل المسلم؛ ففي هذا العلم، وضع العلماء قواعد لفهم النصوص، وبينوا طرق الاستنباط، وضبطوا دلالات الألفاظ، وميزوا بين القطعي والظني، وبين العام والخاص، والمطلق والمقيد، وكان من رواد هذا المنهج الإمام محمد بن إدريس الشافعي، الذي أسس بعلمه منهجا يجمع بين النص والاجتهاد، وفي هذا السياق التاريخي والحضاري، نشأ الأزهر الشريف، فكان منذ تأسيسه في القرن الرابع الهجري مركزا للعلم، وملتقى للعلماء من شتى أنحاء العالم الإسلامي، تعاقبت عليه الدول، وتغيرت الظروف السياسية والاجتماعية، لكنه ظل ثابتا على رسالته: نشر العلم الصحيح، وترسيخ المنهج الوسطي، وصيانة الشريعة من التحريف والغلو.

وفي ختام حديثه، أوضح الدكتور محمد الضويني أن الأزهر تبنى طوال تاريخه منهجا يقوم على الجمع بين المعقول والمنقول، بين علوم النقل كالتفسير والحديث والفقه، وعلوم العقل كالمنطق والفلسفة والكلام، ولم يكن هذا الجمع ترفا فكريا، بل كان ضرورة لحماية العقيدة من الشبهات، ولإقامة الحجة بالحكمة والبرهان، فكم شهدت أروقة الأزهر من مناظرات علمية راقية، كان معيارها الدليل، وغايتها الوصول إلى الحق، بعيدا عن التعصب أو الإقصاء، ولقد تجلت مكانة العقل في بيان موقف السنة من القرآن؛ فإن السنة النبوية تمثل التطبيق العملي والبيان النبوي للقرآن، وهي الشارحة لمجمله، والمفصلة لمطلقه، والمقيدة لعامه، والمبينة لأحكامه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء