رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تحالف الضد.. هل استفادت إسرائيل من تنامي اليمين المتطرف؟

ترامب ومايك هاكابي
ترامب ومايك هاكابي

شهد التيار اليميني المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية تناميا كبيرا منذ إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يعبر عن توجهات هذا التيار سواء على مستوى السياسات الداخلية أو الخارجية.


لا يخفي ذلك التيار عداءه التاريخي والأيديولوجي سواء مع اليهودية أو الصهيونية إذ ينكر هذا التيار مسألة المحرقة التي تعرض لها اليهود خلال الحرب العالمية الثانية ويري أن اليهود كانوا سببا في إشعال الحرب المدمرة بين الأمم الغربية خلال تلك الحرب ولا يتورع أبناء ذلك التيار في اتهام إسرائيل بأنها عبء على السياسات الغربية خاصة الولايات المتحدة ففي أكثر من مناسبة دعت أحزاب ومنتسبي التيار اليميني إلي ضرورة فك الارتباط الوثيق بين واشنطن وتل أبيب، إذ يرون أن دعم إسرائيل منافي لمشروعهم الكبير "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى".
 

برز في هذا الاتجاه العديد من الأبواق الإعلامية الأمريكية مثل الإعلامي المقرب من الحزب الجمهوري تاكر كارلسون والمؤيد النازي فوينتس الذي دائما ما ينكر المحرقة النازية خلال لقاءاته مع كارلسون التي تكررت خلال الشهور الماضية، وجديرا بالذكر أن كلا الناشطين مقربان من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.


اليمين الأمريكي وحلم إسرائيل الكبري


مؤخرا التقى المذيع الأمريكي تاكر كارلسون مع السفير الأمريكي لدي إسرائيل مايك هاكابي في نقاش هادئ بين الجانبين، حيث أطلق هاكابي العنان لتصريحاته السياسية المعبرة عن حلم الصهيونية الكبري حيث صرح هاكابي بضرورة سيادة إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط في إطار حلم إسرائيل الكبري (إسرائيل التوراتية) من النيل إلي الفرات.


أثارت تصريحات هاكابي ردود فعل عنيفة في دول الشرق الأوسط التي عبرت عن إدانتها وامتعاضها من تصريحات السفير الأمريكي إذ عبرت معظم دول الشرق الأوسط مثل مصر وسوريا وتركيا والأردن والعراق والإمارات وإندونيسيا وباكستان وقطر والكويت وسلطنة عمان ولبنان إضافة إلي جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي عن رفضهم لتصريحات هاكابي.


وتأتي إدانات تلك الدول نظرا لكونها صادرة من مسئول أمريكي بارز وفي ظل تمتع معظم تلك الدول بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة فضلا عن وجود قواعد عسكرية أمريكية في تلك الدول، هو الأمر الذي أحرج سيادة تلك الدول ودفعها إلي الاحتجاج الشديد على تصريحات المسئول الأمريكي هاكابي، حيث اعتبرت بعض الدول أن تلك السياسات تعارض سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.


كما تطرق الحديث بين الجانبين إلي عدد الضحايا في قطاع غزة وعدد الأطفال الذين قتلوا نتيجة القصف الإسرائليي، وفي هذا الإطار حاول السفير الأمريكي تبرير الجرائم الإسرائيلية بادعاء بعدم وجود جهات توثيق لعدد الضحايا في القطاع وأن معظم الأرقام صادرة من وزارة الصحة التابعة لحركة حماس في القطاع مدعيا وجود مبالغات كبيرة في تلك الأرقام.


احتفاء إسرائيل بمقابلة تاكر كالسون


رغم أن كارلسون يعد من أشهر معادى السامية خلال السنوات الماضية إلا أن مقابلته مع السفير الأمريكي في إسرائيل حظيت باهتمام وترحيب واسع في إسرائيل خاصة مقالات الرأي في الصحف الإسرائيلية فعلي سبيل المثال رحبت صحيفة جيروزاليم بوست أكدت أن الحوار كان هادئا وخدم الأهداف والمصالح الإسرائيلية بشكل عام.


وأن الحوار كان مفيدا وهادئا عكس الحوارات السابقة التي شهدتها منصات الإعلام المختلفة خلال الحرب الأخيرة والتي شهدت تراشقا كبيرا بين جميع الأطراف المتحاورة ولم تساهم في تبييض صورة إسرائيل في الرأي العام الدولي وبل ساهمت أيضا في تعزيز ما يسمى عولمة الانتفاضة التي تعاني منها إسرائيل اليوم.
يفتح النقاش بين كارلسون وهاكابي الباب أمام تساؤلات هامة حول مدى ودور اليمين المتطرف المعادي للسامية في دعم إسرائيل وهل تستفاد إسرائيل من ذلك التيار المتطرف.


الإجابة على التساؤل السابق تدفعنا إلي الغوص في أعماق تاريخ الحركة الصهيونية ومدي علاقتها مع تيار اليمين المتطرف في أوروبا حتي في المراحل الأولي لتشكل ما يسمي الحركة الصهيونية على يد تيدور هرتزل حيث يبدو أن هناك علاقة ارتباطية بين الطرفين يمكن توضيحها في النقاط التالية:


أولا. تبييض صورة إسرائيل


لعب اللقاء التاريخي بين كارلسون وهاكابي في تبييض صورة إسرائيل نوعا ما في الإعلام الغربي خاصة فيما يتعلق بمسألة الضحايا خلال الحرب الأخيرة، إذ سمح كارلسون لضيفه المؤيد للصهيونية في التشكيك في حقيقة الأرقام الصادرة من قطاع غزة حول تعداد الضحايا في الحرب الأخيرة وهو ما قد يقلب الدفة لصالح إسرائيل في هذا الاتجاه، ففعلا لم تتجه أية مؤسسة دولية إلي حصد عدد الضحايا في القطاع خلال الحرب الماضية.
ومما يعزز التشكيك في أرقام الضحايا أن التصريحات لم تأت على لسان مسئول إسرائيلي بل أمريكي الأمر الذي يعطي لها بعض المصداقية خاصة في الإعلام الغربي، كما أنها أتت في منصة معروفة بأنها معادية للسامية وإسرائيل الأمر الذي قد يضفي مصداقية عالية على تلك التصريحات.


ثانيا. استمرارية سياسات بلفور


موقف كارلسون يعد امتداد لسياسات السياسي البريطاني السابق آرثر جيمس بلفور الذي يعد من أبرز المعاديين لليهود والسامية في بريطانيا خلال السنوات الأولي من القرن العشرين، فحينما كان رئيسا لورزاء بريطانيا في عام 1905 ساهم في إصدار قانون يمنع من هجرة اليهود الروس إلي بريطانيا حيث ألقي في ذلك العام خطابا في مجلس العموم البريطاني محذرا من هجرات اليهود إلي بلاده ونجح في استصدار قانون بمنع دخول اليهود إلي بريطانيا.
ورغم مواقفه المتشددة ضد اليهود إلا أنه في ذروة الحرب العالمية الأولي أصدر الوعد الشهير باقامة وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1917 والذي بناء عليه تمت إقامة الدولة الإسرائيلية في عام 1948، وتقوم فلسفة بلفور اليميني المتطرف علي أساس إبعاد خطر اليهود عن بريطانيا حتي وإن كلف ذلك لندن بدعم توجهات الحركة الصهيونية بتوطين اليهود في أي مكان أخر خارج بريطانيا، ومن هنا يمكن القول أن التيار اليميني المتطرف لا يجد غضاضة في دعم إسرائيل طالما أن هذا الدعم بعيدا عن الدول الأوروبية والولايات المتحدة.
 

ثالثا. فيكتور أوربان ودعم إسرائيل
 

استكمالا للنقطة السابقة نجد مثلا رئيس الوزراء المجري الحالي فيكتور أوربان من أبرز مناصري إسرائيل خلال الحرب الماضية رغم أن أوروبان يأتي من خلفية يمنية متشددة معادية للسامية، إلا أنه خلال الحرب الماضية أيد ودعم إسرائيل بل قام أيضا بالانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية ردا علي مذكرة التوقيف الخاصة ببنيامين نتنياهو وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يواف غالانت.


وفتح التقارب بين أوروبان وإسرائيل الباب أمام الحكومة الإسرائيلية من أجل النقاش الهادئ مع قوي اليمين الأوروبية والذي اتضح مؤخرا من خلال استضافة إسرائيل مؤتمرا خاص بالأحزاب اليمنية المعادية لإسرائيل والذي تم فيه التوافق على نقطة غاية الأهمية وهي توحيد الجهود الإسرائلية اليمنية في مواجهة المد الإسلامي والهجرات الإسلامية في أوروبا وتنحية الخلافات اليهودية اليمنية مؤقتا ريثما يتم التخلص من الخطر الإسلامي سواء في أوروبا أو في فلسطين التاريخية.


وأخيرا.. يمكن القول أن إسرائيل تمتلك مرونة كبيرة في التعامل مع خصومها السياسيين والأيديولوجيين وذلك من أجل تحقيق مصالحها الحيوية الكبري، لذا يجب علينا كدول عربية وإسلامية ألا ننجرف وراء آراء دعوات اليمين المتطرف والذي يري أن دولنا العربية والإسلامية خطرا على الطموحات اليمنية في أوروبا وذلك بعد التقارب الأخير والذي تمثل في لقاء كارلسون وهاكابي وقبله دعم أوربان رئيس وزراء المجر للسياسات الإسرائيلية في غزة.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء