رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مفتي الجمهورية يوضح مقاصد الشريعة وجمال الإيمان الذي يحول الأوامر إلى حياة

الدكتور نظير عياد
الدكتور نظير عياد

قال الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، إن الدين كثيرًا ما يُختزل في أذهان بعض الناس إلى قائمة طويلة من الأوامر والنواهي، وسياج صارم من الحلال والحرام يحيط بحياة الإنسان من كل جانب، فيشعر المرء بثقل القيود قبل أن يتذوق حلاوة المقصد، ويظن أن التدين عبء قبل أن يكون نعمة، ومسؤولية ثقيلة قبل أن يكون طريقًا للطمأنينة، وهذا الفهم القاصر يغفل حقيقة جوهرية، وهي أن دائرة الحلال والمباح هي الأصل، وأنها أوسع بكثير من دائرة الحرام، فالإسلام لم يأتِ ليضيّق على الناس حياتهم، بل أباح الطيبات كلها، ولم يحرّم إلا الخبائث التي تضر الفرد أو تهدد تماسك المجتمع، مؤكدًا أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد لا لتعذيبهم أو تقييد فطرتهم السليمة.

رسالة الإسلام وأبوابها الكبرى الثلاثة

وأضاف خلال تقديمه برنامج حديث المفتي على قناة الناس، أن رسالة الإسلام تقوم على ثلاثة أبواب كبرى: العقيدة، والشريعة، والأخلاق، مشددًا على أن الدين من حيث كونه عقيدة ليس مجرد منظومة قوانين أو تعليمات جامدة، بل هو الرباط العميق الذي يربط العبد بربه، ويمنحه الإجابة الشافية عن أسئلته الوجودية الكبرى: من أنا؟ ولماذا وُجدت؟ وإلى أين المصير؟

وأوضح أن بالتوحيد يعرف الإنسان من يعبد، وبالإيمان بالبعث يدرك أن لحياته غاية أبدية، وبالوحي والنبوة يمتلك الدستور الإلهي الذي يصحح مسيرته في الحياة. فالعقيدة هي جوهر الدين وأساسه المتين، وبدونها يصبح الالتزام الظاهري مجرد قالب فارغ لا روح فيه ولا معنى.

العقيدة أساس المعنى

وأكد مفتي الجمهورية أن العقيدة ليست فكرة ذهنية مجردة، بل هي التي تمنح التشريع معناه، وتجعل الطاعة نابعة من يقين ومحبة، لا من خوف أو عادة، فحين تغيب العقيدة، يتحول التدين إلى ممارسات شكلية، تؤدى بلا حضور قلب، وتفقد قدرتها على تهذيب النفس وإصلاح السلوك.

وأشار إلى أن الإيمان هو الذي يجعل الإنسان يرى في الدين طريقًا للسكينة والطمأنينة، لا عبئًا ثقيلًا، ويحوّل الالتزام من استجابة قسرية إلى اختيار واعٍ نابع من الفهم العميق لمعنى العبودية لله تعالى.

التشريع في الإسلام

وعن جانب الشريعة، أوضح الدكتور نظير عياد أن التكاليف الشرعية لم توضع عبثًا، بل جاءت مددًا وعونًا للإنسان في رحلته بالحياة، وضرب مثالًا بالصلاة، مؤكدًا أنها ليست مجرد حركات جسدية يخشى الإنسان التقصير فيها، بل هي لقاء يومي مع الخالق، ومناجاة روحية، وسكينة كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلبها بقوله: أرحنا بها يا بلال.

وتطرق مفتي الجمهورية إلى النواهي الشرعية التي يراها البعض قيودًا، مؤكدًا أنها في حقيقتها سياج حماية للضرورات الخمس التي تمثل مقاصد الشريعة الكبرى، فتحريم المسكرات صيانة للعقل، وهو أغلى ما يملك الإنسان، وتحريم القتل حفظ للنفس التي بدونها يضيع الأمن وتنهار الحياة.

ولفت إلى أن تحريم الزنا جاء حفظًا للنسل والأسرة من التفكك، وحمايةً للمجتمع من الفوضى، بينما جاء تحريم السرقة صونًا للمال، الذي يُعد عصب الحياة واستقرارها، وهذه النواهي لم تُشرع للحرمان، بل لمنع السقوط في المهالك التي قد لا يدرك الإنسان خطرها إلا بعد فوات الأوان.

الأخلاق وتزكية النفس

وأكد الدكتور نظير عياد، أن الأخلاق وتزكية النفس تمثل الروح الحية للدين، فهي التي تحوّل النصوص من كلمات جامدة إلى سلوك نابض بالحياة، فالصدق والعدل والرحمة، هي القيم التي تجعل الإنسان يطبق أوامر الله حبًا في الجمال والإتقان، لا خوفًا من العقاب وحده.

وفي ختام حديثه، أكد مفتي الجمهورية، أن الدين الإسلامي كالكائن الحي، له جسد يتمثل في الأوامر والنواهي التي تحفظ تماسكه وقوامه، وله روح ونبض يتمثلان في الإيمان والمحبة والقيم، فبدون الجسد، أي التشريع، تذوب الروح في الأوهام، وبدون الروح، أي الإيمان والأخلاق، يصبح الدين طقوسًا ميتة وأجسادًا بلا أرواح.

ودعا إلى الدخول على الله تعالى من باب الحب، واستصحاب النيات الصادقة في كل عمل، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، مؤكدًا أن النية هي مطية القبول، وسر الارتقاء، وسأل الله أن يفتح للعباد في كل عبادة معنى جديدًا يكون معراجًا نحو السعادة، وأن يجعل الطاعة له حبًا وشوقًا، لا عادة ولا خوفًا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء