رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صيغة الآخر.. سر قديم يمنحك الحكمة وسط العواصف اليومية

إيجبتكِ

قد تجد نفسك عالقاً في دوامة الأفكار حين تواجه أزمة شخصية، وكأن مشاعرك تتشابك مع قراراتك لتجعل التفكير السليم مهمة مستحيلة. لكن، وسط هذا الارتباك، يطل حل قديم وبسيط اسمه صيغة الآخر؛ أسلوب يقوم على أن تتحدث عن نفسك كما لو كنت شخصاً آخر، لتضع مسافة بينك وبين مشاعرك. أبحاث علم النفس اليوم تعيد اكتشاف هذه الحيلة، لتكشف كيف يمكن أن تمنحك رؤية أوضح، وحكمة أكبر، في لحظات التوتر والارتباك.

 

ووفقًا لـ شبكة bbc فلجأ القادة والسياسيون عبر التاريخ إلى صيغة الآخر ليضفوا طابعاً موضوعياً على كلامهم. فعلى سبيل المثال، لم يقل يوليوس قيصر: "انتقمتُ للشعب"، بل قال: "قيصر انتقم للشعب"، وكأنه يروي واقعة تاريخية كتبتها شخصية محايدة. هذا التحول البسيط في اللغة يعكس كيف يمكن للكلمات أن تمنح المتحدث قوة إضافية، وتجعل مواقفه أكثر رسوخاً.

مفارقة سليمان

 

يظهر مفهوم "مفارقة سليمان" في علم النفس ليصف كيف يتمتع الأشخاص عادةً بحكمة أكبر عندما يقدمون النصح للآخرين، مقارنةً بقدرتهم على التعامل مع مشاكلهم الخاصة. هنا يأتي دور صيغة الآخر، إذ تساعد الفرد على النظر إلى تحدياته وكأنها تخص شخصاً آخر، مما يقلل من تأثير المشاعر المشتتة.

قياس الحكمة

 

قاد عالم النفس الاجتماعي إيجور جروسمان من جامعة واترلو أبحاثاً لقياس التفكير الحكيم. اعتمد على مفاهيم فلسفية مثل التواضع المعرفي، تقبّل وجهات نظر الآخرين، والسعي إلى التوافق. ووجد أنّ نتائج استخدام صيغة الآخر جاءت أفضل من اختبارات الذكاء التقليدية، لأنها تتنبأ بجودة العلاقات الاجتماعية ورضا الإنسان عن حياته.

من الفرد إلى الجماعة

 

تشير دراسات جروسمان إلى أنّ التفكير يصبح أكثر حكمة عندما يتجاوز الإنسان اهتمامه بمشكلاته الشخصية، ويتبنى منظوراً أوسع يشمل مشاكل الآخرين. باستخدام صيغة الآخر، يصبح الفرد قادراً على التراجع خطوة للوراء، وتحليل الموقف من زاوية أكثر شمولية، بعيداً عن انفعالات الخجل أو الغضب التي قد تعمي بصيرته.

 

كيف تصبح حكيماً؟

 

تدعو التجارب العلمية إلى ممارسة صيغة الآخر في الحياة اليومية. ببساطة، حاول أن تخاطب نفسك كما لو كنت شخصاً ثالثاً: "أحمد مرّ بتجربة صعبة" بدلاً من "مررتُ بتجربة صعبة". هذه المسافة الشعورية تمنحك قدرة على التفكير الموضوعي، والبحث عن حلول أكثر توازناً.

 

دراسات وتجارب عملية

 

في تجربة حديثة، طُلب من مشاركين كتابة مذكراتهم اليومية لشهر كامل. نصفهم كتبوا بصيغة المتكلم، والنصف الآخر استخدموا صيغة الآخر. النتائج أظهرت أنّ المجموعة الثانية ارتفعت درجاتها في مقياس التفكير الحكيم، وأصبحت أكثر انفتاحاً على وجهات نظر الآخرين وأكثر استعداداً للتوافق.

 

تؤكد النتائج أنّ صيغة الآخر ليست مجرد تمرين لغوي، بل وسيلة عملية تساعد على التعامل مع المواقف الصعبة بحكمة واتزان. الذين التزموا بهذه الطريقة أفادوا بأنهم أصبحوا أكثر إيجابية، وأقل عرضة لمشاعر الحزن أو الإحباط. وهكذا، يمكن لهذه الحيلة القديمة أن تكون رفيقك في القرارات المصيرية والمشاحنات اليومية على حد سواء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء