هل يجوز للجزار الفطر في رمضان بسبب المشقة؟ دار الإفتاء تجيب
ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال يقول: ما حكم الفطر في رمضان بسبب مشقة العمل؟ وهل يجوز للجزار أن يُفْطِر لمجرد ظَنِّ مشقة الصوم في عَمَله؟
وقالت دار الإفتاء في إجابتها على السؤال، إن أصحاب المهن الشاقة كالجزارين ونحوهم إذا كانوا لا يُمكِنُهُم أَدَاء العمل مع الصوم بسبب ما يلقونه من مَشَقَّةٍ زائدةٍ غير معتادةٍ، ولم يكن عندهم ما يكفيهم وعيالهم فيُبَاح لهم الفِطْر في رمضان، مع قضاءِ تلك الأَيَّامِ مَتى تَيَسَّرَ لهم ذلك، ولا إِثمَ عليهم.
واشترطت دار الإفتاء على هؤلاء أن يُبَيِّتوا نية الصوم ليلًا، فإن أصبحوا مُتَلبِّسين بما يُبيح لهم الفِطْر رُخِّصَ لهم في الفِطْر، وإن أصبحوا قادرين على الصوم ولم تلحقهم مشقة أتموا صومهم، أمَّا إن كان صومهم مع مهنتهم لا يَخْرُج بهم عن حَدِّ طَوْقِ الصومِ، فلا تُعَدُّ هذه الحالة عُذْرًا شرعيًّا مُبِيحًا للفِطْر، ويجب عليهم الصوم.
وأكدت دار الإفتاء أن صوم رمضان أحد فرائض الإسلام التي فَرَضها الله على كلِّ مسلمٍ مُكلَّفٍ صحيحٍ مُقيمٍ مستطيعٍ خَالٍ من الموانع، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 183-184].
القدرة على الصيام
وذكرت أن الواجبات الشرعية مُنوطةٌ بالقُدْرة والاستطاعة؛ قال تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 233]، ومعنى القُدْرة في الصوم: أَن يكون المُكَلَّفُ لديهِ القُدرَة البدنِيَّة على تَحمُّلِ وإطاقةِ الصوم، بحيث لا يُؤثِّر الصوم عليه تأثيرًا يعود عليه بالضرر الذي يقرِّرُه الواقعُ وتجربةُ المكلَّف، أو أهلُ التخصُّص مِن الأطباء، ولم يكن مريضًا بحيث "يؤذيه الصوم ويَتَكَلَّفُهُ ويَخافُ على نَفْسِهِ منه".
وقد نَصَّ الفقهاءُ على إِباحةِ الفطر لـمَن يحتاج إِلى أَن يعملَ عملًا شاقًّا في نهار رمضان؛ من حيث كونه مُحتاجًا إليه في القيام بنفقة نفسه أَو نفقة مَن عليه نفقتهم، كعمل البنَّائين والحمَّالين وأَمثالهم، وخاصة مَن يعملون في الحَرِّ الشديد، أَو لساعات طويلة لا يستطيعون تـَحَمُّلَها مع الصوم، كُلٌّ على حسب قُدْرته في تَحَمُّلِ المشقة مع الصوم، مع وجوب قضاء الأَيام التي أَفطرها متى تَيَسَّرَ، ولا إِثمَ عليه.
وأوضحت دار الإفتاء، أن ثواب الصيام مع كثرة العمل في المهنة وتَحَمُّل المشقة الحاصلة من ذلك أَجَلُّ فضلًا وأعظَمُ أجرًا، وهو مندرجٌ تحت ما تقرَّر في قواعد الفقه مِن أنَّ "مَا كَانَ أَكْثَرَ فِعْلًا كَانَ أَكْثَرَ فَضْلًا".
ووالأصل في هذه القاعدة: ما ورد عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا فِي عُمْرَتِهَا: "إِنَّ لَكِ مِنَ الْأَجْرِ قَدْرَ نَصَبِكِ وَنَفَقَتِكِ" أخرجه الإمامان: الدارقطني في "السنن"، والحاكم في "المستدرك" وصَحَّحه.

