الحيتان وزوار الفجر وسبع الليل ونواب القروض.. مفردات صنعت ذاكرة الشعب
القاموس المصري الشعبي ليس مجرد مخزون لغوي ينفرد به الشعب المصري ، بل هو سجل مواز للتاريخ الاجتماعي والسياسي، يحمل في مفرداته آثار التحولات الكبرى، وصدمات السلطة، وفساد الاقتصاد، وتقاطع الجريمة بالسياسة وبالسينما.
وحين نستدعي أي مصطلح مصري - سياسيا كان أو جنائيا أو اجتماعيا - فنحن في الحقيقة نفتح طبقة من طبقات ما يمكن تسميته بـ " الجيولوجيا الاجتماعية المصرية " حيث تتراكم المعاني فوق بعضها، وتتحول الكلمة إلى شفرة جمعية مفهومة بلا شرح .
فكل مصطلح هو شهادة على مرحلة، وكل تعبير هو تلخيص مكثف لعلاقة مختلة بين المواطن والسلطة، بين الخيال والواقع ، ففي استدعاء هذه الكلمات، لا نستعيد اللغة فقط ، بل نستعيد الوعي .
مصطلحات الثروة والسلطة
الحيتان (أو حيتان الانفتاح) :
ظهر مصطلح الحيتان مع تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي في سبعينات القرن الماضي ، و " الحوت " في الوعي المصري ليس مجرد رجل أعمال ثري، بل نموذج للرأسمالي المفترس، القادر على ابتلاع السوق بفضل نفوذ سياسي، واحتكار للسلع، وإقصاء المنافسين الصغار ، لذلك ارتبطت التسمية بقضايا السكر والحديد والأراضي، حيث صار الاقتصاد ساحة افتراس لا تنافس .
أصحاب الأرانب :
" الأرنب " في القاموس الشعبي يعني " المليون جنيه " ويُطلق مصطلح صاحب الأرنب على فئة " محدثي النعمة " الذين جمعوا ثروات طائلة في الثمانينات والتسعينات، وغالبا ما اقترن الاسم بنبرة تهكمية تعكس فجوة صارخة بين سرعة الثراء ومعاناة الطبقات الكادحة .
القطط السمان :
القطط السمان مصطلح صاغه الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل ليصف طبقة رجال الأعمال الذين تضخمت ثرواتهم على حساب المجتمع ، و تحول التعبير إلى توصيف أخلاقي واقتصادي لفكرة - الثراء المشبوه - المرتبط بالسلطة لا بالإنتاج.
بيروقراطية الدولة لها لغتها الخاصة
الدفّاس :
عرف المصريون مصطلح الدفاس من خلال الفيلم السينمائي ( العار) وهى وظيفة رجل تخصص في تخبئة المخدرات في المياة المالحة ، وهي صنعته التي تخصص فيها ، وادت وفاته الى " دفس " المخدرات بطريقة خاطئة ثم فقدان المخدرات في مياه الملاحات .
لكن خفة دم الشعب المصري حولت الدفاس الى مصطلح إداري يطلق على الموظف القادر على " دفْس " الملفات المهمة داخل الأدراج حتى تتعفن، أو تسقط القضايا بالتقادم ، ولا يعد الدفّاس فاسدا تقليديا فقط، بل هو فنان تعطيل الحقوق داخل دهاليز الجهاز الحكومي.
مدام نوال في الدور الرابع :
و مدام نوال في الدور الرابع هو مصطلح مستوحى من فيلم " الإرهاب والكباب "صار التعبير أيقونة للبيروقراطية العبثية، حين يُحال المواطن من مكتب إلى آخر بلا نهاية، في دورة مغلقة من اللامسؤولية ، و اشتهر الإعلامي عمرو اديب باستخدامه في برنامجه التلفزيوني للتعبير عن المتاهه التي يدخلها المواطن عند محاولة قضاء مصالحه في الدواوين الحكومية .
الثقوب السوداء :
واطلق وصف الثقوب السوداء على الصناديق الخاصة وهي أموال عامة تدخل في حسابات خاصة تحت مسمى " الصناديق الخاصة " وتقدر بالمليارات ولا يُعرف أين ومتى ولمن تصرف لانها خارج الرقابة، لتبتلع المليارات كما تفعل الثقوب السوداء في الفضاء.
الجريمة حين تتحول إلى أسطورة
الخُط (خط الصعيد) :
تعود جذوره إسم الخط إلى شخصية حقيقية في أربعينات القرن الماضي بالصعيد ، لكن الوجدان الشعبي حوله إلى رمز للمجرم الأسطوري الذي تعجز الدولة عن القبض عليه ، اليوم يُستخدم المصطلح ساخرا لوصف أي " بلطجي " يتوهم أنه فوق القانون ، ويعد فيلم ( الخط ) للنجم عادل امام تجسيد كوميدي لشخصية الخط الحقيقية .
المطاريد :
يطلق وصف المطاريد على الهاربون من الاحكام القضائية أو من الثأر أو ويسكنون الجبال والكهوف ، و في الثقافة الشعبية والسينما، أصبح يطلق مصطلح المطاريد على المجتمعات الموازية والتي تعمل خارج حكم الدولة، فله قوانينه الخاصة، وأحيانا يُنظر إليهم كضحايا بنية اجتماعية قاسية ومنهم المشردين و الهاربين من الاحكام .
ورا الشمس :
يستخدم تعبير ( هتروح وراء الشمس ) للدلاله على الاختفاء القسري والمعتقلات السرية، حيث يذهب المعتقل ولا يعودوان عاد فلن يعود انسانا طبيعيا كما كان ، وهو مصطلح سياسي قديم قد تكون بدايته على عصر السخرة التي حملت مئات الالاف الى حفر قناة السويس ثم ارسال مثلهم الى الحرب العالمية الاولى ، واستخدم مؤخرا للتعبير عن المعتقلات في الستينات والسسبعينات
زوار الفجر :
يستخدم مصطلح زوار الفجر للتعبير عن حملات الاعتقالات التي تطال المعارضين السياسين لاعتيادهم تنفيذ اوامر الاعتقال خلال فترات الليل المتأخر او عند طلوع الفجر لضمان القاء القبض على المطلوبين اثناء تواجدهم في منازلهم وعادة تكون اجراءات الاعتقال غير قانونية وبلا اجابات عن اماكن الاحتجاز ولا اسبابه .
العسكري الأسود :
تعود القصة الحقيقية للعسكرى الاسود الى الاربعيات من القرن الماضي خلال الحكم الملكي ، وهى قضية سياسية اتهم فيها احد عساكر السجون وكان ينتمى الى محافظة اسوان
لكن حولها الكاتب الراحل يوسف ادريس الى رواية "العسكري الأسود" و رواية رمزية تُصوّر قسوة الاعتقال في مصر خلال الأربعينيات، حيث يُعتقل الطالب "شوقي" الناشط ليخرج بـشخصية مُدمرة. تدور الأحداث حول انهيار الجلاد (العسكري الأسود) "عباس الزنفلي" جسديًا ونفسيًا، ليصبح ضحية لظلمه، في نقد عميق للسلطة التي تحول الإنسان لآلة ، عباس الزنفلي العسكري ضخم الجسد المشهور بتعذيب المعتقلين، ينتهي به الحال مريضا وممزقا في مواجهة ضحيته السابقة.
فرج :
يعود الأصل في الذاكرة السياسية لإسم "فرج"، كواحد من أعتى وأشرس أدوات التعذيب والاغتصاب في المعتقلات ضد السيدات المعتقلات ، ارتبط اسمه بـ "كسر الشرف" كوسيلة للضغط السياسي، لكن لا يوجد في الواقع اى خلفية للاسم اللهم الا عندما استخدمه السيناريست ممدوح الليثي في فيلم الكرنك انتاج عام 1975 لمحاولة الصاق الشخصية بفترة الستينات التى اشتد الهجوم عليها ومحاولة تشويهها في السبعينات
الكحول:
ويعرف في عالم العقارات والفساد انه هو الشخص البسيط (غالباً فقير أو متوفى) الذي يُستغل اسمه لوضع عقود المباني المخالفة عليه، لكي يفلت صاحب العقار الحقيقي من السجن إذا انهار العقار.
المُحلل:
المحلل في القاموس السياسى هو الحزب الصغير أو الشخص الذي يدخل الانتخابات فقط ليعطي شرعية لمرشح السلطة القوي، ليظهر المشهد وكأنه منافسة ديمقراطية وهو بالطبع مأخوذ عن مصطلح المحلل للزواج في حالة الطلاق المتتالي فيتم اللجوء اليه لعودة زوجه مطلقة لزوجها .
سبع الليل :
عرفنا اسم سبع الليل من فيلم " البريء " نسبة لبطل الفيلم العسكرى المجند احمد سبع الليل " الفنان الراحل احمد زكي " فتحول الاسم إلى رمز للأداة القمعية الجاهلة لشخص ينفذ الأوامر بعنف بدون مناقشه او تفكير ، معتقدا أنه يحمي الوطن، بينما يمارس القهر ضد أبناء بلده
سيد قراره :
عبارة برلمانية شهيره أول من استخدمها في البرلمان هو الزعيم المصري سعد زغلول باشا في عشرينيات القرن الماضي (حوالي عام 1924) للدفاع عن استقلالية مجلس النواب المصري في مواجهة محاولات التدخل من قبل السلطة التنفيذية أو القصر الملكي، مؤكداً أن البرلمان يملك سلطة عليا في إصدار قراراته. ، وجاءت هذه العبارة التاريخية في سياق نقاشات برلمانية لترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، وتعبيراً عن رفض أي وصاية على نواب الشعب تأكيد أن مجلس النواب، باعتباره ممثلا للشعب، هو أعلى سلطة في البلاد فيما يخص التشريع والرقابة.
منذ ذلك الحين، أصبحت عبارة "البرلمان سيد قراره" قاعدة برلمانية ودستورية متعارف عليها في مصر ، ولكن افرط البرلمان في استخدامها طوال فترة تولي الدكتور فتحي سرور لرئاسة البرلمان وتكرار رفض تنفيذ احكام القضاء بحجة سيد قراره .
نواب " سميحة" سقوط أخلاقي تحت القبة :
في دورة البرلمان عام 2005 تفجرت واحدة من أشهر الفضائح تحت قبة البرلمان، عُرفت إعلاميا بـ " نواب سميحة " القضية تورط فيها ثلاثة نواب عن محافظة الغربية، بعدما استقطبوا سيدة سيئة السمعة من طنطا لقضاء ثلاث ليالي حمراء مقابل ألف جنيه لكل واحد منهم ، داخل شقة نائب زميل لهم بشارع جامعة الدول العربية، كان قد تركها لهم أثناء خضوعه لعملية جراحية.
قضت السيدة الليالي المتفق عليها، لكن الخلاف اندلع حين رفض أحد النواب سداد نصيبه، مدعيا عدم استمتاعه، لتتبادل معه الاتهامات بشأن عجزه عن إقامة علاقة. تدخل نائب آخر ووعدها بسداد المبلغ، إلا أن التسويف استمر.
وخلال اتصال هاتفي منها بأحد النواب لتحصيل مستحقاتها، وأثناء وجوده بإحدى جلسات المجلس، اضطر لاستعارة هاتف نائب يجلس بجواره بعد نفاد بطارية هاتفه استمع ، الأخير لتفاصيل المكالمة لتنكشف خيوط الواقعة ، لاحقًا أعاد الاتصال بالسيدة فحكت له ما جرى، فوعدها بالدفع.
غير أن الفضيحة اتسعت عندما استغل نائب خامس الواقعة، وسجل حديثًا مع السيدة تضمن اعترافاتها بما حدث، ونسخ التسجيل على أقراص مدمجة جرى تداولها بين النواب، لتتحرك جهات رقابية وتصل القضية إلى محكمة الجنايات.
المحكمة قضت بأن المتهمين فقدوا شرط حسن السمعة والثقة والاعتبار الواجب توافره في النائب، بعدما سلكوا مسلكا مشينا يتنافى مع القيم الأخلاقية التي يفترض أن يتحلى بها من يتصدى للعمل العام.
نواب " الكيف " الحصانة في خدمة اصحاب المزاج :
في تسعينيات القرن الماضي، شهد البرلمان قضية أخرى لا تقل صخبا، عُرفت بقضية " نواب الكيف " بعدما كشفت جهات رقابية تورط عدد من النواب في الاتجار بالمخدرات مستغلين حصانتهم البرلمانية.
القضية وضعت النظام السياسي آنذاك في موقف حرج، إذ تحول بعض من يفترض بهم تمثيل الشعب إلى مروجين للسموم سعيا وراء مكاسب سريعة ، وتم رفع الحصانة عن المتورطين وأحيلوا إلى المحاكمة، وصدر بحق بعضهم أحكام بالحبس بعد ثبوت الاتهامات.
نواب " القروض " المليارات المنهوبة :
تفجرت قضية " نواب القروض " بعد حصول عدد من أعضاء مجلس الشعب على تسهيلات ائتمانية ضخمة بلغت نحو مليار و256 مليون جنيه، مستفيدين من مواقعهم ونفوذهم، وضمت القائمة أسماء عائلات معروفة.
كشفت الأجهزة الرقابية عن استيلاء المتهمين على مبالغ كبيرة أثرت سلبا على الاقتصاد في تلك الفترة، ما دفع رئيس المجلس إلى رفع الحصانة عنهم ومنعهم من السفر.
استمرت القضية حتى مايو 2007، حين قضت محكمة النقض بوقف تنفيذ عقوبة الحبس بحق عدد من المتهمين والإفراج عنهم، بعد ثبوت سدادهم كامل المديونيات وفوائدها، والتي بلغت 617 مليون جنيه.
بهذا المشهد، تبقى هذه القضايا علامات فارقة في تاريخ الحياة البرلمانية، كشفت كيف يمكن للحصانة أن تتحول من أداة حماية للعمل العام إلى مظلة لانحرافات شخصية حين تغيب الرقابة والضمير.
ويبقى السؤال مفتوحا : هل ما زالت هذه المصطلحات تعيش في الواقع ؟ أم أنها تحولت إلى أساطير سينمائية وثقافة شعبية فقط ؟ الإجابة - كعادتها في مصر - تقع في المنطقة الرمادية بين الاثنين.


