أقباط ومسلمون صنعوا خريطة الوقف القبطي في مصر
تناول الجزء الأول من هذا الملف الإطار العام للوقف القبطي وأنواعه وإدارته، وفي هذه الحلقة نتوقف عند " العنصر الإنساني " المتمثل في الأشخاص والعائلات الذين لم يكتفوا بالتبرع أو العطاء العابر، بل صنعوا بفعل الوقف بنية اقتصادية وروحية لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
فخريطة الوقف القبطي المعاصرة لم تتشكل بقرارات رسمية فقط، بل صاغتها مبادرات فردية آمنت بأن المال لا يكتسب قيمته إلا حين يتحول إلى خدمة عامة مستدامة.
البداية من عند اسم المعلم إبراهيم الجوهري رجل الخير الذي أوقف حياته قبل ماله لخدمة المجتمع المصري ، برز إسم المعلم إبراهيم الجوهري في القرن الثامن عشر ولقب بـ " سلطان الأقباط " والذي شغل منصب رئيس كتاب القطر المصري، وهو ما يعادل في زمانه موقع رئيس الوزراء، غير أن ثقل الرجل لم يكن سياسيا فقط ، بل أكد ثقله بأعمال الخير خاصة بوقف ممتلكاته لخدمة المجتمع والناس .
اشترى الجوهري مساحات شاسعة من الأراضي والعقارات، ثم أوقفها على الكنائس والأديرة، وفي مقدمتها دير الأنبا أنطونيوس ودير الأنبا بولا. ولم تتوقف بصمته عند حدود التملك، بل امتدت إلى استصدار فرمانات رسمية لإعادة بناء الكنائس المتهدمة، في زمن كان فيه البناء والترميم معركة قانونية وسياسية.
كما خصص ريعا ثابتا لخدمة الحجاج الأقباط المتجهين إلى القدس، في دلالة واضحة على أن الوقف عنده لم يكن محليا فقط ، بل ممتدا إلى البعد الروحي العام.
وحتى اليوم، لا تزال بعض الأراضي في منطقة مصر القديمة تُعرف باسم " أوقاف الجوهري " شاهدةعلى دوره الخدمي و التاريخي.
أما المعلم جرجس الجوهري شقيق المعلم إبراهيم فقد سار على النهج ذاته، لكنه ركز بشكل أوضح على دعم الجانب العلمي والديني ، فوهب أراض وأوقافا لإطعام الفقراء، وترميم أديرة وادي النطرون، في فترة شديدة الاضطراب السياسي، شهدت انتقال السلطة من المماليك إلى الفرنسيين ثم العثمانيين.
تكمن أهمية جرجس الجوهري في دوره في تثبيت الملكيات الوقفية خلال هذه التحولات، بما ضمن استمرارية الكنيسة ومؤسساتها، ومنع ضياع الأوقاف وسط تغير الأنظمة.
الأنبا أبرام
في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أعاد الأنبا أبرام، أسقف الفيوم والجيزة، تعريف مفهوم الوقف ، فعلى الرغم من كونه رجل دين لا يملك ثروة إقطاعية، إلا أنه أحدث ثورة صامتة في فلسفة الوقف.
كان منهجه بسيطًا وعميقا في آن واحد ، كل هبة أو أرض تُقدم له، تتحول فورا إلى وقف للفقراء ، وبفضل هذا النهج، تشجعت عائلات قبطية كبرى في الفيوم والجيزة على وقف أجزاء من أراضيها الزراعية لخدمة المعدمين، فأسس لنهضة اجتماعية واسعة النطاق، جعلت الوقف أداة إغاثة مباشرة لا مجرد أصل مالي صامت.
عائلات الصعيد
برزت عائلات قبطية كبيرة وارستقراطية في محافظات في الأقصر والمنيا وأسيوط، ، مثل عائلة "يس أندراوس " وغيرها، أوقفت مئات الأفدنة اللافت هنا أن الوقف لم يكن دينيا صرفا، بل حمل بعدا وطنيا وتنويريا ، فقد خُصصت مساحات واسعة لبناء مدارس قبطية أهلية، فتحت أبوابها للمسلمين والمسيحيين على السواء، لتتحول الأوقاف القبطية في قلب الصعيد إلى أداة تعليمية ساهمت في تشكيل الوعي الحديث في تلك المناطق.
دور الوقف القلبطي في رسم الشكل الحالي للكنيسة
لولا أوقاف الجوهري ومن تبعه، لما استطاعت الكنيسة الصمود اقتصاديا في فترات الأزمات، إذ كان الريع يغطي احتياجات الإدارة الكنسية دون انتظار معونة خارجية ، فكثير من المخطوطات والقطع الأثرية المعروضة اليوم في المتحف القبطي، حُفظت داخل مبان هي في الأصل أوقاف لهؤلاء الرواد.
ونجح الرواد الاوائل في ترسيخ مبدأ أن الغنى في الفكر القبطي يُقاس بما يقدمه الإنسان للمجتمع، لا بما يكنزه لنفسه.
وقف محمد محمود باشا في أبوتيج
ومن خلال البحث الميداني في سجلات أوقاف الصعيد، تتجلى صورة لافتة في " وقف محمد محمود باشا " وعائلة محمود بمدينة أبوتيج في محافظة أسيوط ، فالوقف لم يكن قطعة أرض معزولة، بل جزءا من مساحات شاسعة قُدرت بمئات الأفدنة في زمام أبوتيج وقراها، ومنها قرية النخيلة.
تشير المصادر التاريخية داخل الإيبارشية إلى أن عشرات الأفدنة من أجود الأراضي الزراعية - المزروعة بالقطن والقمح - خُصص ريعها للكنيسة، بما ضمن دخلا مرتفعا دائما ومستداما.
وساهم وقف محمد محمود باشا في صيانة كنيسة القديس مارمرقس الرسول بأبوتيج حيث ساهم الوقف في استمرار دورها وتجديدها وبناء المدارس الأهلية والكتاتيب حيث يخصص جزء من الريع لتعليم أبناء الفقراء من المسلمين والمسيحيين.
كما ساعد وقف محمد محمود باشا مطرانية أبوتيج وصدفا والغنايم في تغطية نفقات الخدمة الاجتماعية بالقرى الأكثر احتياجا.
الرمزية السياسية
تكمن خصوصية هذا الوقف في توقيته ، فـ محمد محمود باشا، الملقب بـ " الرجل الحديدي " كان رمزا للحزم السياسي، لكنه في بلدته أبوتيج جسد نموذج "ابن البلد " فـ تسجيل الأطيان كوقف كنسي لم يكن فقط عملا دينيا، بل خطوة سياسية ذكية لضمان استدامة الدخل، وقطع الطريق على النزاعات المستقبلية، بما يعكس ثقة متبادلة بين بيت الباشا والكنيسة.
و تُدار هذه الاطيان اليوم بواسطة مطرانية أبوتيج، بالتنسيق مع هيئة أوقاف الأقباط ، ورغم ما تعرضت له بعض المساحات من استيلاء أو توزيع في ظل قوانين الإصلاح الزراعي، نجحت الكنيسة في استرداد ريع جزء كبير منها، أو إعادة تثبيت الملكية حيث ثبتت الحجج الوقفية الأصلية.
و تحتفظ مطرانية أبوتيج بما يُعرف بـ " دفاتر الحجج " وهي سجلات مكتوبة بخط اليد، توثق بدقة حدود الأراضي وأسماء الواقفين، وعلى رأسهم محمد محمود باشا، وتمثل كنزا أرشيفيا لأي باحث جاد في تاريخ الوقف القبطي.
الصراع القانوني حول الأوقاف، وكيف نجحت الكنيسة في ادارة الوقف في العصر الحديث سيكون عنوان الجزء الثالث من هذا الملف