خارطة السيولة الجديدة.. أين تذهب أموال المصريين بعد خفض الفائدة؟
في خطوة وُصفت بأنها بداية مرحلة "التيسير المنضبط"، قررت لجنة السياسة النقدية بـالبنك المركزي المصري خفض أسعار العائد الأساسية بواقع 100 نقطة أساس، ليصل سعر الإيداع إلى 19% والإقراض إلى 20%، مع خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي من 18% إلى 16%، في تحرك مزدوج يستهدف دعم النمو دون التفريط في استقرار الأسعار.
القرار لم يكن مجرد خفض تقليدي للفائدة، بل رسالة واضحة بأن المركزي بدأ الانتقال من سياسة التشديد النقدي إلى دعم النشاط الاقتصادي بحذر، وهو ما يفتح الباب أمام تحركات واسعة في عدة قطاعات.
الذهب.. ملاذ يتحرك مع تراجع العائد
أولى القطاعات المتأثرة كانت سوق الذهب، فمع تراجع العائد على الشهادات والودائع، يبدأ جزء من المدخرين في إعادة تقييم أدواتهم الاستثمارية.
يقول لطفي المنيب، نائب رئيس شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية، إن خفض الفائدة يدفع شريحة من المواطنين للبحث عن بدائل تحفظ القيمة، وعلى رأسها الذهب والعقار.
ويوضح في تصريحات لـ “إيجبتك” أن تراجع جاذبية العائد البنكي يعزز الطلب على المعدن الأصفر، خاصة في ظل استمرار المخاوف التضخمية.
لكن اتجاه الأسعار محليًا سيظل مرتبطًا بعاملين حاسمين: سعر الدولار، والسعر العالمي للذهب. فاستقرار العملة قد يحد من أي قفزات كبيرة في السوق المحلية، حتى لو زاد الطلب.
العقارات.. المستفيد الأكبر من التمويل الأرخص
الدكتور محمد مصطفى القاضي، خبير التخطيط العمراني وعضو جمعية رجال الأعمال المصريين، يؤكد أن خفض الفائدة يقلل تكلفة التمويل على البنوك، ما يسمح بتقديم قروض عقارية بأسعار أقل، وهو ما يعزز القدرة الشرائية لمحدودي ومتوسطي الدخل.
من جانبه، يرى علاء الشيخ، خبير التسويق العقاري، أن كل نقطة مئوية خفض في الفائدة تقلل تكلفة التمويل على العميل بشكل ملموس، ما ينعكس في زيادة الإقبال على الشراء، كما أن خفض الاحتياطي الإلزامي يمنح البنوك مرونة أكبر في ضخ التمويلات.
أما علاء فكري، نائب رئيس لجنة التشييد والبناء بجمعية رجال الأعمال، فيشير إلى أن المطورين أنفسهم سيستفيدون من انخفاض تكلفة الاقتراض، ما يشجع على إطلاق مشروعات جديدة، وإعادة هيكلة التكاليف، وتحسين هوامش الربحية.
البنوك.. تراجع عائد الشهادات وتحرك السيولة
انعكس القرار فورًا على الشهادات متغيرة العائد، التي انخفضت بنحو 1% في البنوك الكبرى، ارتباطًا بسعر "الكوريدور".
فعلى سبيل المثال، تراجع عائد الشهادة البلاتينية بالبنك الأهلي إلى 19.25%، وشهادة القمة المتغيرة ببنك مصر إلى 18.75%.
خفض العائد قد يدفع بعض السيولة للخروج من الأوعية الادخارية نحو أدوات استثمارية أخرى، سواء البورصة أو العقارات أو الذهب، وهو ما يعيد توزيع السيولة داخل الاقتصاد.
وفي المقابل، فإن خفض الاحتياطي الإلزامي يوفر سيولة إضافية للبنوك، تعوض جزئيًا تراجع هوامش الربحية الناتج عن خفض الفائدة.
التجارة والأسعار.. تأثير غير مباشر
في قطاع السلع، يؤكد حازم المنوفي، رئيس جمعية "عين" لحماية التاجر والمستهلك، أن التأثير على الأسعار لن يكون فوريًا، لأن تسعير السلع يرتبط بعوامل متعددة مثل تكلفة الإنتاج وسلاسل الإمداد.
لكنه يشير إلى أن انخفاض تكلفة التمويل قد يسهم على المدى المتوسط في زيادة المعروض واستقرار الأسعار، خاصة إذا انعكس على توسع الشركات في الإنتاج.
إعادة هيكلة الأصول وجذب الاستثمارات
في سياق أوسع، يرى خبراء أن القرار النقدي يتكامل مع توجهات الدولة لإعادة هيكلة الأصول وجذب استثمارات جديدة.
الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، يشير إلى أن إعادة تنظيم قطاع الأعمال تستهدف تعظيم العائد من أصول الدولة، وتقليل البيروقراطية، مع احتمالية طرح شركات في البورصة وجذب استثمارات أجنبية عبر الصندوق السيادي.
الأداء الاقتصادي المحلي
تشير أحدث تقديرات البنك المركزي المصري للربع الرابع من عام 2025 إلى تسجيل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي حوالي 4.9% مقابل 5.3% في الربع السابق. وجاء النمو في الربع الرابع من عام 2025 مدفوعاً بالمساهمات الموجبة من قطاعات الصناعات التحويلية غير البترولية والسياحة والاتصالات.
بالإضافة إلى ذلك، يتوقع البنك المركزي المصري أن يسجل معدل النمو الاقتصادي 5.1% في المتوسط خلال العام المالي 2025/2026، مرتفعاً من 4.4% في العام المالي السابق. ومع ذلك، يظل الناتج دون طاقته القصوى رغم اقترابه منها تدريجياً.
وعليه، فإن المسار الحالي للناتج سوف يستمر في دعم الانخفاض المتوقع في التضخم على المدى القصير، وهو ما يعكس استمرار محدودية الضغوط التضخمية من جانب الطلب في إطار الأوضاع النقدية الحالية.
تطورات التضخم
تراجع كل من المعدل السنوي للتضخم العام والأساسي إلى 11.9% و 11.2% في يناير 2026 مقابل 12.3% و 11.8% في ديسمبر 2025 على الترتيب، مما يشير إلى استمرار المسار النزولي للتضخم الذي شهده عام 2025. وعلى وجه التحديد، بلغ متوسط التضخم العام والأساسي 14.1 و 12.1 خلال عام 2025، مقابل 28.3 و 27.2 في عام 2024، على الترتيب.

