البدو الرحل في السودان... حياة محاصرة بين الحرب والانقسامات العرقية
تحولت حياة البدو الرحل في صحراء السودان، التي امتدت عبر الأجيال كمصدر للحرية والاستقلالية، إلى كابوس يومي بفعل الحرب المستعرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ 15 أبريل 2023.
محاصرين وسط صراع مسلح
فقد أصبحت مسارات الترحال التقليدية والحرية في الحركة أمنية بعيدة المنال، فيما يجد ملايين الرعاة أنفسهم محاصرين وسط صراع مسلح أودى بحياة الآلاف وأثر بشكل مباشر على حياتهم اليومية، وفقًا لوكالة "رويترز".
أسفرت الحرب عن نزوح نحو 14 مليون شخص، وتسببت في موجات عنف على أسس عرقية، إضافة إلى تفشي المجاعة والأمراض، بما في ذلك الكوليرا.

موجة من الكراهية العرقية المتزايدة
ويرى الباحث إبراهيم جمعة أن الصراع أخل بالتوازن الدقيق في ملكية الأراضي ومسارات الماشية، التي كانت محور سبل العيش التقليدية للبدو، ومهدت لعلاقات اقتصادية واجتماعية متشابكة بين القبائل.
شهدت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، أعنف المعارك خلال الأشهر الماضية، حيث أصبح السكان والبدو الرحل محاصرين وسط موجة من الكراهية العرقية المتزايدة، والتي ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على تضخيمها ونشرها.
يقول أحد الرعاة، البشير: "سابقا، كانت القوافل والأسواق متاحة للجميع، لا أحد يعترض أو يعيق حركة أحد. الآن لم يعد هناك اختيار، ولا مكان يرحب بك، وكل شيء أصبح محفوف بالمخاطر". ويضيف: "حتى الأسواق كانت مليئة بالحياة والتفاعل بين الناس، أما الآن، فكل خطوة محسوبة ومحاطة بالمخاطر".
هشاشة حياتهم اليومية
ولا يواجه البدو الرحل التحديات العسكرية فحسب، بل يواجهون أيضا قطاع الطرق الذين يسرقون الماشية، مما يزيد من هشاشة حياتهم اليومية. حامد محمد، أحد الرعاة في ضواحي الأبيض، قال: "الآن نحن محاصرون هنا، لا نستطيع الذهاب إلى أي مكان. إن تحركنا بعيدا، ينهب اللصوص الماشية. الوضع مختلف تماما عن الماضي".
رفضت قبائل أخرى الانخراط في الصراع
في الوقت نفسه، نفت قوات الدعم السريع مسؤوليتها عن عمليات القتل العرقي، مؤكدة على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، رغم تقارير عن عمليات نهب وخطف أطلقتها هذه القوات بالتعاون أحيانا مع بعض القبائل العربية، بينما رفضت قبائل أخرى الانخراط في الصراع.

نبذ خطاب الكراهية وإجراء مصالحة اجتماعية
ويؤكد الباحث إبراهيم جمعة على أهمية وضع برامج اجتماعية شاملة تهدف إلى نبذ خطاب الكراهية، وتعزيز حكم القانون، وإجراء مصالحة اجتماعية، معتبرًا أن الحرب تركت أثرا عميقا على نسيج المجتمعات المحلية.
اليوم، يعيش ملايين البدو الرحل في السودان ظروف إنسانية صعبة، مع تراجع الخدمات الأساسية وانتشار انعدام الأمن، محاصرين في الصحراء خارج المدن الكبرى مثل الأبيض، مهددين بقطاع الطرق والاقتتال المستمر.
نموذج تقليدي للعيش والتنقل
ورغم هذه التحديات، تظل هذه المجتمعات جزء حيوي من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للسودان، خصوصا في مناطق دارفور وكردفان والبحر الأحمر، حيث كانت تمثل حلقة وصل بين مختلف القبائل والمجتمعات المحلية، وتوفر نموذج تقليدي للعيش والتنقل المستدام في الصحراء.

