خبير: التصعيد السياسي الإثيوبي محاولة لإعادة التموضع إقليميا|فيديو
قال محمد عز الدين، رئيس مؤسسة النيل للدراسات الإفريقية، إن جميع الاحتمالات لا تزال مطروحة في الوقت الراهن بشأن طبيعة التحركات الإثيوبية الأخيرة، إلا أن التصعيد السياسي الذي طرأ على الأجندة الإثيوبية يطرح تساؤلات جوهرية حول جدواه وتوقيته، موضحًا أن الرسالة التي بعث بها وزير الخارجية الإثيوبي مؤخرًا تعكس توجّهًا سياسيًا واضحًا لدى أديس أبابا، يسعى لتحقيق مكاسب متعددة، في ظل أزمات داخلية وضغوط إقليمية ودولية متشابكة.
رسائل موجهة للمجتمع الدولي
وأضاف عز الدين، خلال مداخلة هاتفية على فضائية النيل للأخبار، أن أحد الأهداف الرئيسية لهذا التصعيد يتمثل في تحقيق مكسب خارجي، عبر توجيه رسالة مباشرة إلى المجتمع الدولي مفادها أن إثيوبيا تمثل الطرف المعتدل، بينما يتم تصوير إريتريا باعتبارها الطرف المعتدي، حيث أن هذا الخطاب يستند إلى أحداث سابقة، تعود إلى عامين أو ثلاثة أعوام، حين شهدت الحدود الإثيوبية الإريترية توترات عسكرية، تسعى أديس أبابا اليوم إلى استثمارها سياسيًا لكسب التعاطف الدولي، وإعادة تشكيل الرأي العام الخارجي لصالحها.
وأكد رئيس مؤسسة النيل للدراسات الإفريقية، أن الهدف الثاني لهذا التصعيد يرتبط بالوضع الداخلي الإثيوبي، حيث تواجه الحكومة المركزية تحديات أمنية وسياسية متزايدة في عدد من الأقاليم، موضحًا أن إقليم تيجراي عاد إلى الواجهة مجددًا خلال الأيام الأخيرة، بعد تنفيذ عمليات عسكرية ضد الحكومة المركزية، ما يعكس هشاشة الوضع الداخلي، ويدفع القيادة الإثيوبية إلى تصدير أزماتها للخارج، بدلًا من معالجتها عبر حلول سياسية شاملة.
البحر الأحمر حلم إثيوبي قديم
وأشار محمد عز الدين، إلى أن من بين الأهداف الجوهرية للتصعيد الحالي، سعي إثيوبيا إلى خلق أرضية سياسية وقانونية لمطالبها بالوصول إلى البحر الأحمر، في محاولة لشرعنة هذه المطالب أمام المجتمع الدولي، مضيفًا أن هذا التوجه، رغم بعده عن المنطق القانوني والجغرافي، يمثل جزءًا من استراتيجية إثيوبية أوسع لفرض أمر واقع جديد في المنطقة، مستغلة حالة الاضطراب الإقليمي والانشغال الدولي بأزمات أخرى.
وأوضح أن التحركات الإثيوبية تعكس ميلًا متزايدًا إلى سياسة فرض الأمر الواقع، بدلًا من الالتزام بالحلول السلمية واحترام المواثيق الدولية المنظمة للعلاقات بين الدول، وهذا النهج لا يقتصر فقط على ملف البحر الأحمر، بل يمتد إلى ملفات إقليمية أخرى، في مقدمتها ملف سد النهضة، حيث تحاول أديس أبابا التنصل من تعهداتها السابقة بالتوصل إلى اتفاق ملزم مع مصر والسودان بشأن قواعد تشغيل السد.
سد النهضة والتصعيد كورقة تفاوضية
وأكد رئيس مؤسسة النيل للدراسات الإفريقية أن التصعيد السياسي الحالي يخدم أيضًا هدفًا تكتيكيًا يتعلق بإعادة خلط أوراق التفاوض حول سد النهضة، موضحًا أن إثيوبيا تسعى، من خلال هذا الخطاب التصعيدي، إلى الهروب من الضغوط الدولية المطالِبة باتفاق قانوني عادل، ومحاولة فرض واقع جديد يكرس سيطرتها المنفردة على ملف المياه، دون اعتبار لمصالح دول المصب.
ولفت إلى أن التصعيد الحالي، رغم حدته، يظل في الإطار السياسي حتى الآن، مرجحًا ألا يصل في المدى القريب إلى مواجهة عسكرية مباشرة، ومع ذلك، حذر من أن هذا الاحتمال يظل قائمًا وغير مستبعد، في ظل التجاوزات المتكررة لبعض الأطراف الإقليمية، واللجوء إلى القوة وفرض الأمر الواقع، بدلًا من تبني مسارات دبلوماسية تحترم القانون الدولي.
إسرائيل ودور النفوذ في القرن الإفريقي
وتابع أن إسرائيل تأتي في مقدمة الدول التي تسعى إلى استخدام إثيوبيا كورقة ضغط إقليمية، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي في القرن الإفريقي، مشيرًا إلى أن تل أبيب تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها حليفًا استراتيجيًا يمكن توظيفه لتعزيز نفوذها في هذه المنطقة الحيوية، بما يخدم مصالحها الأمنية والسياسية، ويؤثر بشكل مباشر على توازنات البحر الأحمر وشرق إفريقيا.
واختتم محمد عز الدين، رئيس مؤسسة النيل للدراسات الإفريقية، بالتأكيد على أن التصعيد الإثيوبي الحالي يحمل في طياته مخاطر جسيمة، إذا ما استمر دون ضوابط أو حلول سلمية، كما شدد على أن المنطقة لا تحتمل مزيدًا من المغامرات السياسية، داعيًا المجتمع الدولي إلى التعامل بحذر مع الخطاب الإثيوبي، والضغط باتجاه حلول دبلوماسية تحافظ على استقرار القرن الإفريقي وتحمي الأمن الإقليمي.

