عالم أزهري: النسخ في القرآن إثبات ونقل لا إبطال وتشويه للنص الإلهي|فيديو
قال الشيخ طارق نصر، أحد علماء الأزهر الشريف، إن مفهوم النسخ في اللغة العربية لا يقتصر على الإزالة أو الإلغاء، موضحًا أن النسخ يأتي بمعنى الإثبات والنقل، تمامًا كما يُقال انسخ من هذا الكتاب عدة نسخ، أي إثبات النص في مواضع متعددة، وليس محوه، موضحًا أن هذا المعنى اللغوي هو الأساس في فهم آيات النسخ في القرآن الكريم، مشيرًا إلى أن اختزال النسخ في كونه إبطالًا للأحكام يوقع في إشكالات عقدية خطيرة تتعارض مع قدسية النص القرآني.
آية النسخ بين الفهم الخاطئ والتأويل الصحيح
واستشهد نصر، خلال لقاء على فضائية TEN، بقوله تعالى: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير»، مؤكدًا أن هذه الآية لا تعني إلغاء آيات من القرآن أو إسقاط أحكامها، بل تعني الانتقال من حكم إلى حكم أو من بيان إلى بيان أكمل وأوضح، مشيرًا إلى أن القول بأن النسخ هو إبطال حكم سابق بحكم لاحق يفتح باب التساؤل: كيف يُبطل شيء في كتاب قال الله عنه: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟، مؤكدًا أن الآيات المنسوبة للنسخ ما زالت تُتلى وتُقرأ وتُتعبد بها.
وأوضح أن السلف الأول من الصحابة والتابعين كانوا يستخدمون مصطلح النسخ بمعناه الواسع، الذي يشمل التبيين والتفصيل والتخصيص، وليس الإلغاء، مثل أن تأتي آية مجملة فتُفصل بآية أخرى، أو آية عامة تُخصص، أو مطلق يُقيد، وهذا الفهم كان هو السائد في القرون الأولى، ولم يكن النسخ لديهم يعني رفع الحكم أو إلغاء الآية، وإنما توضيح المراد الإلهي وفق السياق التشريعي.
التحول السياسي لمفهوم النسخ
وأشار الشيخ طارق نصر، إلى أن مفهوم النسخ شهد تحولًا خطيرًا مع تغير الظروف السياسية، خاصة في عصر الدولة الأموية، حيث تم توظيف بعض المفاهيم الدينية لخدمة الواقع السياسي القائم على القوة والسيف، موضحًا أن ما عُرف لاحقًا بآية السيف جرى تقديمه باعتباره ناسخًا لعشرات الآيات التي تدعو للسلم والحوار، وهو طرح اختلف فيه العلماء، مؤكدًا أن هذا التوظيف كان سياسيًا أكثر منه دينيًا.
وبين أن العلماء اختلفوا حول تحديد ما يُسمى بآية السيف، فمنهم من قال إنها قوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين، إلا أن هذا الخلاف ذاته دليل على عدم وجود إجماع حاسم على إلغاء آيات أخرى، مؤكدًا أن القول بإلغاء أكثر من مائة آية من القرآن بآية واحدة يتنافى مع المنهج العلمي الرصين، ويتعارض مع مقاصد الشريعة الكلية.
من أول من اعترض على النسخ؟
وأوضح الشيخ طارق نصر، أن أول من اشتهر بالاعتراض المنهجي على مفهوم الناسخ والمنسوخ هو أبو مسلم الأصفهاني، المتوفى سنة 322 هجرية، ما يعني أن القرون الثلاثة الأولى لم تشهد اعتراضًا واسعًا على المفهوم، لكن الفهم كان مختلفًا عن التصورات المتأخرة، مشيرًا إلى أن الخلاف لم يكن حول الإيمان بالقرآن أو السنة، وإنما حول تفسير النصوص وضبط المصطلحات العلمية.
وشدد على أن نقطة الاتفاق الجوهرية بين العلماء هي الإيمان بالقرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، مؤكدًا أن أي نقاش حول النسخ يجب أن ينطلق من هذا الأساس الثابت، مستشهدًا بحديث سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مسألة الرجم، الوارد في صحيحي البخاري ومسلم، باعتباره مثالًا على التفريق بين ثبوت الحكم بالسنة وبقاء النص القرآني أو عدم تدوينه في المصحف.
النسخ بين النص والحكم
واختتم الشيخ طارق نصر، بالتأكيد على أن الإشكال الحقيقي ليس في وجود النسخ، بل في فهمه، موضحًا أن الخلط بين نسخ التلاوة ونسخ الحكم، وبين البيان والإلغاء، هو ما أوجد هذا الجدل الواسع، مؤكدًا أن التعامل مع قضية الناسخ والمنسوخ يحتاج إلى وعي لغوي وتاريخي وأصولي، يحفظ قدسية النص القرآني، ويمنع توظيفه خارج سياقه الديني الصحيح.

