الأزهر للفتوى: تحويل القبلة في النصف من شعبان حدث يرسخ وسطية الأمة
قال مركز الأزهر للفتوى الإلكترونية، إن حادثة تحويل القبلة تعد من أعظم الأحداث المفصلية في التاريخ الإسلامي، إذ تؤكد وسطية أمة الإسلام، وتبرز الارتباط الوثيق والعميق بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى المباركين، باعتبارهما جزءًا أصيلًا من هوية العقيدة الإسلامية.

قصة تحويل القبلة
وأضاف المركز أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في مكة المكرمة يتجه في صلاته إلى بيت المقدس، مع جعل الكعبة المشرفة بين يديه، فيجمع بذلك بين شرف القبلتين، وهو ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي وهو بمكةَ نَحْوَ بيتِ المقدسِ والكعبةُ بينَ يدَيهِ». [أخرجه أحمد]
وأردف أن المسلمين بعد هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، ظلوا يستقبلون بيت المقدس قبلة لهم مدة تقارب عامًا ونصف العام، كما ثبت في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، حيث قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى نحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا...». [متفقٌ عليه].
متى نزل الأمر الإلهي بتحويل القبلة؟
وأوضح مركز الأزهر للفتوى، أن الأمر الإلهي بتحويل القبلة إلى المسجد الحرام، نزل في منتصف شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة على القول المشهور، حيث أمر الله سبحانه نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالتوجه شطر المسجد الحرام، فكانت تلك اللحظة إعلانًا لتحول تشريعي عظيم.
ولفت إلى أن تحويل القبلة كان اختبارًا إلهيًا ظهر من خلاله صدق المؤمنين في تسليمهم لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتميز به من ثبت على الطاعة ممن تردد أو اعترض، قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّاِ لنَعْلَمَ َمنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ}. [البقرة: 143].
موقف المؤمنين من تحويل القبلة
وذكر مركز الأزهر أن المؤمنين تلقوا هذا الأمر بالقبول التام والطاعة الكاملة، فسارعوا إلى الامتثال دون تردد، فكانت استجابتهم عنوانًا للإيمان الصادق والهداية والنور.
وتابع: أما المشركون، فقد زادهم هذا الحدث عنادًا على عنادهم، وتوهموا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سيعود إلى ملتهم، فجاء الواقع مكذبًا لظنونهم، وانتهى سعيهم بالفشل والخسران.
وأفصح المركز أن تحويل القبلة كشف عن علو منزلة النبي -صلى الله عليه وسلم- عند ربه، فقد كان يحب التوجه إلى الكعبة المشرفة، ويتطلع قلبه لاستقبالها، فاستجاب الله لرغبته، ونزل قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء}، فكان ذلك تكريمًا وتشريفًا له.
العلاقة الراسخة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى
وبين مركز الأزهر أن هذا الحدث رسخ العلاقة الوثيقة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهي علاقة دلت عليها نصوص صحيحة، من أبرزها قول أبي ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى». قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ»، ثُمَّ قَالَ: «حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، وَالْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ ». [أخرجه البخاري]
ونوه أن تحويل القبلة أبرز روح التكافل والوحدة بين المسلمين، إذ خشي بعضهم على مصير إخوانهم الذين توفاهم الله قبل استقبال القبلة الجديدة، فطمأنهم الله عز وجل بقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}، تأكيدًا لرحمته وعدله.
وشدد على أن تحويل القبلة يرسخ مبدأ إيمانيًا عظيمًا، وهو أن المقصد الأسمى هو عبودية الله تعالى والتسليم المطلق لأمره، مهما اختلفت الجهات والوجهات، فالله سبحانه هو رب المشارق والمغارب، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. [البقرة: 115].
وأكد أن هذا الحدث تضمن تشريفًا عظيمًا لأمة الإسلام، إذ هداها الله إلى قبلة نبي الله إبراهيم عليه السلام، وجعلها أمة وسطًا، مؤهلة لحمل رسالة الشهادة على الناس، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}. [البقرة: 143].