رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مفاعلات طبيعية.. الأرض سبقت الإنسان إلى الطاقة النووية|تفاصيل

الأرض سبقت الإنسان
الأرض سبقت الإنسان إلى الطاقة النووية بنحو ملياري عام

كانت الأرض قد أنجزت قبل الإنسان بنحو ملياري سنة من نجاح الإنسان في شطر الذرة، هذه المهمة بالفعل، بل وشغلت مفاعلات نووية طبيعية خاصة بها، وقد استمرت هذه المفاعلات في العمل لمئات الآلاف من السنين، في فترة تزامنت مع ظهور أولى أشكال الحياة متعددة الخلايا، ففي عام 1972، وأثناء فحص مهندسين في مصنع "يوروديف" لمعالجة اليورانيوم في مدينة بييرلات الفرنسية لشحنات من خام اليورانيوم القادمة من الغابون، لاحظوا ظاهرة غير متوقعة، فقد كانت نسبة اليورانيوم-235 أقل من المعدلات المعروفة، ليس في عينات محدودة، بل في جميع الصخور المستخرجة من منجم بعينه.

وبما أن نسب نظائر اليورانيوم في الطبيعة ثابتة تقريبًا، لم يكن هناك تفسير منطقي سوى أن هذا اليورانيوم قد تعرض سابقًا لعملية انشطار نووي، وبعبارة أخرى، كانت هذه الصخور دليلًا على أن اليورانيوم استُخدم بالفعل كوقود نووي في الماضي السحيق.

وتوقف الفيزيائي الفرنسي فرانسيس بيرين مطولاً أمام هذا الاكتشاف المربك، فاليورانيوم الطبيعي يحتوي عادة على نحو 0.720% من نظير U-235، بينما لم تتجاوز النسبة في صخور منطقة أوكلو في الغابون 0.717%، ورغم أن الفارق يبدو ضئيلاً، إلا أنه كان ذا دلالة علمية كبيرة.

دراسة: كوكب الأرض قد ينتهي قبل اكتشاف الفضاء | فلسطين أون لاين

مفاعلات نووية طبيعية في أعماق الأرض

 

يصعب تصديق أن تفاعلًا نوويًا قد حدث بشكل طبيعي، إلا أن التحاليل اللاحقة كشفت عن بصمات نظائرية لا يمكن أن تنتج إلا عن الانشطار النووي، وأكد ذلك أن خام اليورانيوم في أوكلو كان جزءًا من مفاعلات نووية طبيعية، بل عدة مفاعلات، عملت في باطن الأرض.

ويقول لودوفيك فيريير، أمين مجموعة الصخور في متحف التاريخ الطبيعي بفيينا، حيث تحفظ عينات من هذه الصخور منذ عام 2019، أنه بعد إجراء المزيد من الدراسات والفحوصات الميدانية، تبين أن خام اليورانيوم قد خضع لانشطار نووي تلقائي، ولم يكن هناك أي تفسير بديل.

قبل ملياري عام، كان تركيب الأرض مختلفًا تمامًا عما هو عليه اليوم، فقد بلغت نسبة اليورانيوم-235 آنذاك نحو 3%، وهي نسبة قريبة من مستويات التخصيب المستخدمة في بعض المفاعلات الحديثة، ومع أن ذلك وحده لا يكفي لحدوث تفاعل متسلسل مستدام، إلا أن المياه الجوفية التي تدفقت عبر صخور أوكلو لعبت دورًا حاسمًا، حيث عملت كمهدئ طبيعي للنيوترونات، تماماً كما يحدث في المفاعلات النووية المعاصرة.

كوكب الأرض - العلوم الحقيقية

تشغيل وإيقاف ذاتي عبر آلاف السنين

 

أظهرت الدراسات أن هذه المفاعلات الطبيعية لم تكن تعمل بشكل مستمر، بل كانت تدخل في دورات تشغيل وتوقف على مدى مئات آلاف السنين، فعندما يتوفر الماء، يبدأ التفاعل المتسلسل، ومع ارتفاع الحرارة يتبخر الماء، فيتوقف التفاعل، إلى أن تبرد الصخور ويتدفق الماء من جديد.

وتوضح ذرات الهيدروجين الموجودة في المياه الجوفية دوراً محورياً، إذ كانت تبطئ النيوترونات الناتجة عن الانشطار بما يكفي لإدامة التفاعل، وعند غياب هذا “المهدئ” الطبيعي، يتوقف المفاعل تلقائياً.

15 مفاعلاً نووياً على الأقل

 

يقول بيتر وودز من "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" إن ما حدث في أوكلو يشبه آلية عمل المفاعلات النووية الحديثة التي تعتمد على الماء الخفيف، فمنذ اكتشاف الظاهرة عام 1972، تم تحديد ما لا يقل عن 15 مفاعلاً نووياً طبيعياً داخل رواسب اليورانيوم في أوكلو، إضافة إلى مواقع أخرى قريبة مثل بانجومبي، وتشير التقديرات إلى أن كل مفاعل كان ينتج نحو 100 كيلوواط من الطاقة الحرارية أثناء عمله، وهو رقم متواضع بمعايير اليوم، لكنه يظل إنجازاً مذهلاً للطبيعة.

وفي دراسة علمية نُشرت عام 2011، وصف الباحثون ظاهرة أوكلو بأنها "واحدة من أكثر الاكتشافات إثارة للدهشة في القرن العشرين في مجالي علوم الأرض والفيزياء النووية"، ورغم أن تكرار هذه الظاهرة أصبح مستحيلاً اليوم بسبب انخفاض نسبة اليورانيوم-235 في الطبيعة إلى نحو 0.7%، فإن منطقة أوكلو لا تزال تمثل موقعاً بالغ الأهمية للأبحاث العلمية، إلى جانب كونها مركزاً لتعدين اليورانيوم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء