رؤية برلمانية متكاملة لتنظيم استخدام النشء للتكنولوجيا
تناول مجلس الشيوخ، في جلساته العامة ملف حماية الأطفال والنشء من مخاطر الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية، في ضوء التحذيرات المتزايدة من آثارها السلبية على الصحة النفسية والسلوكية والتعليمية، وما تمثله من تهديد للأمن المجتمعي والهوية الوطنية.
وجاءت هذه المناقشات استجابة لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن حماية الأسرة المصرية، وبمشاركة عدد من الوزراء والنواب ورؤساء الأحزاب.
أبرز المواقف الرسمية والبرلمانية
أكدت النائبة ولاء هرماس، عضو لجنة التعليم والاتصالات بمجلس الشيوخ، أهمية توقيت حديث الرئيس السيسي حول حماية الأسرة، مشددة على أن القضية تتطلب تكاتفًا مجتمعيًا شاملًا يشمل الأسرة، الدولة، الإعلام، التعليم، المؤسسات الدينية، والمجتمع المدني.
وحددت “هرماس” ثلاثة محاور رئيسية للمعالجة:
- حظر استخدام الهواتف المحمولة في المدارس إلا للضرورة.
- تقييد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وتفعيل الإنترنت الأبوي، والتصنيف العمري للمحتوى.
- تقييد الألعاب الإلكترونية الخطرة ومنصات المراهنات، مع المطالبة بحظر منصة "روبلوكس" لخطورتها على الأطفال.
معاناة الأسر من إدمان الألعاب الرقمية
صرح المستشار محمود فوزي، وزير الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، بصفته أبًا قبل أن يكون وزيرًا، موضحًا معاناة الأسر من إدمان الألعاب الرقمية، وما يترتب عليه من عزلة اجتماعية، ضعف التحصيل الدراسي، والتنمر الإلكتروني.
وأشار فوزي، إلى مشروع قانون جديد يهدف إلى:
- تأكيد حق الطفل في استخدام الإنترنت تحت إشراف ولي الأمر.
- إلزام مقدمي الخدمات بتحديد سن المستخدمين وتقليل تعرض النشء للمحتوى الضار.
- التفرقة بين الألعاب المفيدة وتلك العنيفة أو الإباحية، مع ضرورة الرقابة الأسرية.
كما استشهد وزير الشئون النيابية، بتجارب دولية مثل أستراليا والبرازيل، وأعلن تأييده لمنع استخدام الهواتف في المدارس وتقييد وصول الأطفال دون 16 عامًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق
انتقد النائب ياسر جلال، وكيل لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشيوخ، غياب التمثيل الحكومي الكامل، داعيًا إلى الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق، وإدراج "المواطنة الرقمية" ضمن المناهج التعليمية، وإنشاء مرصد وطني لرصد المخاطر الرقمية، مؤكدًا أن التنظيم لا يعني عزل الأطفال عن التكنولوجيا.
وقال جلال، إن مواجهة تأثير الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على النشء لا يقف عند الحكومة فقط، ولكن الأسرة أيضا عليها دور كبير في هذا الأمر، بل تتطلب أيضا مواءمة حقيقية بين التجارب الدولية والتشريعات المصرية،.
الفوضى الرقمية وتأثيرها على الهوية الوطنية
حذر الدكتور محمود مسلم، رئيس الهيئة البرلمانية لـ حزب الجبهة الوطنية، من "الفوضى الرقمية" وتأثيرها على الهوية الوطنية، مطالبًا باستراتيجية تقوم على «المنع والمناعة»، وتحميل شركات التكنولوجيا المسؤولية القانونية، والاستفادة من التجارب الصارمة مثل أستراليا والصين.
وكشف مسلم، عن إحصائية صادمة تشير إلى أن 80% من الأطفال الضحايا يلوذون بالصمت خوفاً من الوصمة الاجتماعية، محذراً من "فجوة السلطة الأبوية" التي نتجت عن تفوق الصغار تقنياً على ذويهم، مما يجعل الرقابة التقليدية غير كافية.
وطالب رئيس برلمانية الجبهة الوطنية الحكومة المصرية بالاقتداء بالنماذج الدولية الصارمة، مثل أستراليا التي حظرت المنصات لمن هم دون 16 عاماً بفرص غرامات باهظة، والصين التي طبقت "بصمة الوجه" لمنع الألعاب ليلاً.
حماية الأطفال رقميًا قضية أمن مجتمعي
اعتبر النائب ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل، حماية الأطفال رقميًا قضية أمن مجتمعي، محذرًا من الحلول الجزئية أو التأخير، وداعيًا إلى سياسة وطنية واضحة تنظم الاستخدام دون تجريم الأطفال أو عزلهم.
وطالب الشهابي، بتنظيم استخدام الهواتف المحمولة، وإلزام منصات التواصل الاجتماعي بتحمّل مسئولياتها الكاملة في حماية الأطفال، وضبط المحتوى وآليات الترويج والاقتراح الآلي التي تؤثر سلبًا على وعيهم ونفسياتهم.
وأشار رئيس حزب الجيل، إلى أن التجارب الدولية، وفي مقدمتها التجربتان الأسترالية والإنجليزية، أثبتت أن الدولة القوية هي التي تفرض قواعد صارمة على شركات التكنولوجيا، وتجمع بين التشريع والتنظيم والتوعية.
الحماية ضرورة وطنية
أكد النائب عصام خليل، رئيس حزب المصريين الأحرار، أن الحماية ضرورة وطنية، داعيًا إلى نهج "الإتاحة المشروطة" بدل المنع الكامل، وتشكيل لجنة قومية عليا لصياغة إطار تشريعي متكامل بالتعاون مع المؤسسات التعليمية والإعلامية.
ووصف خليل، ملف حماية النشء بأنه أحد المحددات الجوهرية للأمن الاجتماعي وركيزة أساسية في مشروع بناء الإنسان، مطالباً بتشكيل لجنة قومية عليا تضم وزارات الاتصالات، والتربية والتعليم، وخبراء في الصحة النفسية والاجتماع، والقانون.
كما وجه رئيس المصريين الأحرار دعوة لجميع الأحزاب السياسية تحت قبة مجلس الشيوخ لتقديم دراسات فنية ومقترحات عملية تُسهم في صياغة سياسات عامة متماسكة، توازن بين الانفتاح التكنولوجي وبين الحفاظ على سلامة المجتمع وهويته من التأثيرات السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي.
الأسرة وحدها لم تعد قادرة على المواجهة
شدد النائب عصام هلال، الأمين العام المساعد لحزب مستقبل وطن، على أن الأسرة وحدها لم تعد قادرة على المواجهة، مطالبًا الدولة بوضع إطار وطني منظم لاستخدام الهواتف المحمولة، خاصة داخل المدارس، واعتبر القضية استثمارًا في مستقبل الإنسان المصري.
وشدد هلال على أن حماية الطفولة ليست رفاهية ولا معركة جانبية، بل قضية أمن مجتمعي حقيقي، محذرًا من أن تجاهلها سيؤدي إلى نشأة جيل مُنهك نفسيًا، غاضب، وفاقد للهوية والانتماء، مؤكدًا أن القرار الصعب اليوم أرحم بكثير من الندم غدًا، مطالب واضحة للحكومة:
وطالب الأمين العام المساعد لحزب مستقبل وطن، الحكومة باتخاذ موقف واضح لا لبس فيه، ووضع خطة زمنية محددة تتضمن إجراءات تنفيذية وتشريعية قابلة للتطبيق لتنظيم استخدام الأطفال للهواتف المحمولة داخل المؤسسات التعليمية وخارجها، مع تحديد مسئوليات كل جهة معنية بشكل صريح، وإدراج هذا الملف ضمن أولويات العمل الحكومي.
أبرز التوصيات المطروحة
- وضع تشريع يحدد سنًا قانونيًا لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
- تقييد استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس.
- إلزام منصات التكنولوجيا بحماية الأطفال ومراقبة المحتوى.
- إدراج المواطنة الرقمية ضمن المناهج التعليمية.
- دعم الأسرة ببرامج توعية ورقابة أبوية فعالة.
- الاستفادة من التجارب الدولية مع مراعاة الخصوصية المصرية.
وانتهت مناقشات مجلس الشيوخ إلى أن حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت لم تعد قضية فرعية، بل تمثل ركيزة أساسية للأمن الاجتماعي وبناء الإنسان المصري.
وأكدت الآراء المختلفة أن الحل يكمن في مزيج متوازن من التشريع، والتنظيم، والتوعية، والرقابة الأسرية، بما يضمن حماية النشء دون حرمانهم من فرص الاستفادة الآمنة من التطور التكنولوجي.

