رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حسن الشافعي: العلوم العربية أهم أدوات الاجتهاد الرشيد

الفتوى واللغة
الفتوى واللغة

في إطار فعالياته الثقافية والفكرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، نظَّم جناح دار الإفتاء المصرية ندوةً بعنوان: "الفتوى والمحافظة على اللغة العربية"، تناولت الدور المحوري للغة العربية في ضبط الخطاب الإفتائي وصيانة المعنى الشرعي وتعزيز التواصل الواعي بين المفتي والمجتمع. 

 استضافت الندوة كلًّا من الدكتور حسن الشافعي، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف،  والدكتور عبد الفتاح حبيب، أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر، فيما قدَّم الندوة وأدار مَحاورها الشيخ حازم داود، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية.

حضر الندوة الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، ونخبة من العلماء والمثقفين والباحثين وطلاب العلوم الشرعية واللغوية. 

المحافظة على العربية .. ضرورة منهجية

أكد المتحدثون أن اللغة العربية تمثِّل الوعاء الأصيل للفتوى، وأن سلامة اللفظ ودقة التركيب شرطٌ لازمٌ لصحة الفهم والاستنباط، وأن أي خلل لُغوي قد يفضي إلى اضطراب المعنى، ومن ثَم إلى إساءة تنزيل الحكم الشرعي على الواقع. كما شددوا على أن المحافظة على العربية ليست مسألة تراثية فحسب، بل ضرورة علمية ومنهجية لحماية النصوص الشرعية من التحريف وسوء التأويل.

من جانبه أوضح الدكتور حسن الشافعي أن علماء الأمة جمعوا عبر العصور بين الفقه واللغة، معتبرًا تمكُّن المفتي من علوم العربية من أهم أدوات الاجتهاد الرشيد، لما لها من أثر مباشر في فهم النصوص القرآنية والحديثية وضبط دلالاتها، مؤكدًا أن اللغة العربية لم تُبنَ على أساس عِرقي أو نسَبي، مستشهدًا بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن العربية ليست لأحد من أب أو أم وإنما باللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي"، موضحًا أن هذا الفهم نقل العربية من دائرة العنصرية إلى أُفق الثقافة والانتماء الحضاري، وهو ما يفسر إقبال محبِّي اللغة العربية من غير العرب على إرسال أبنائهم إلى الأزهر الشريف لتعلمها، حيث تحتضن جامعة الأزهر بمدينة البعوث الإسلامية أكثر من مائة وثلاثين ألف طالب من نحو مائة وعشرين جنسية من مختلف أنحاء العالم، شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبا.

 

إتقان اللغة العربية شرط ضروري للمفتي

تناول عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف العلاقة بين اللغة العربية والأحكام الشرعية، مستحضرًا سؤالًا منسوبًا إلى ابن تيمية حول ما إذا كان الخطأ اللغوي من رفع المفعول أو نصب الفاعل يُعد إثمًا، مبينًا أن الأحكام الشرعية في جوهرها أحكام لغوية، وأن الخطأ اللغوي إن أدى إلى غموض النص أو تحريف المعنى كان معصية، لأن الله أنزل القرآن ليُفهم ويُعمل به ويُقتدى به، موضحًا  أن علاقة المسلم العادي باللغة العربية تختلف عن علاقة المفتي بها، فالمفتي إن كان عربيًّا فإن أدواته الأصلية القرآن والسنة، وهما بلسان عربي مبين، وإن كان غير عربي فإنه لا غنى له عن العربية للرجوع إلى النصوص الشرعية وفهمها، مؤكدًا أن إتقان اللغة العربية شرط ضروري للمفتي حتى يحسن فهم السؤال ويتصور الإشكال تصورًا صحيحًا. 

وأشار إلى أن إتقان اللغة العربية يمثل المدخل الأساسي لدراسة العلوم الشرعية وطرائق استنباط الأحكام، مستدلًّا بقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، موضحًا أن المقصود بأُولي الأمرهم المجتهدون، وليس كل العلماء أو المفتين، إذ أن مرتبة الاجتهاد لها شروطها العلمية الدقيقة.

الحكم على الشىء فرع عن تصوره

 وقد قرَّر العلماء إلى القرن السادس الهجري اشتراط الاجتهاد في المفتي، ثم توسعوا بعد ذلك فاكتفوا بإتقان الفقه، ومعرفة مقاصد الشريعة، والتمكن من أدوات الاستنباط، وفي مقدمتها اللغة العربية. وأكد أن المفتي أو العالِم أو المسؤول لا بد أن يفهم السؤال بحسب لغة السائل وسياقه، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإذا لم يتبين مراد السائل وجب الاستفصال، وبقدر الإمكان باستخدام الوسائل الحديثة، واللغة السهلة الواضحة، مشددًا على أهمية هذا الأمر في الوقت الراهن في ظل دعوات قديمة متجددة ظهرت زمن الاحتلال وتعود للظهور اليوم، تنادي بالتخلي عن اللغة العربية واستبدالها بالعامية، وهي دعوات لا تريد للأمة خيرًا ويجب التنبه لها.

وأثنى عضو هيئة كبار العلماء على المفتي الدكتور نظير عياد؛ لربطه الفتوى بأصول الفقه ومقاصد الشريعة، سواء من الكتاب والسنة أو الاستصحاب أو المصلحة أو القياس أو الإجماع، مشيرًا إلى أنَّ المجاز في اللغة والقرآن من مظاهر سَعة العربية وثرائها، وأن إنكار المجاز كان نتيجة قصور في فهم الكتاب والسُّنة، وقد أدى ببعض المنكرين إلى الغلو والتكفير، غير أن هذا الفكر آخذ في التلاشي.
كما ذكر أن العلاقة بين اللغة والفتوى تناولها العلماء من خلال مراحل الإفتاء، التي تبدأ بمرحلة التصوير، أي حسن إدراك مراد السائل. ولا يصح الحكم على الوقائع قبل تصورها تصورًا دقيقًا، وبعد الاستفصال والتثبت ينتقل المفتي إلى المراحل التالية، حيث يُلمُّ بالمؤثرات العقلية والاجتماعية، ويرجع إلى مقاصد الشريعة، ثم يحدد المناط، كما في الخمر التي حُرمت لعلة التأثير على العقل، سواء كانت نباتية أو كيميائية، ثم يحرر المناط ويحقق وجوده في الواقعة المعروضة، وهي مرحلة التكييف، ثم ينتقل إلى المرحلة الأخيرة وهي تنزيل الحكم على حال السائل بعينه، مختتمًا بالتأكيد على أن إحياء اللغة العربية أمر أصيل، وأن العربية محببة ومؤصلة في وجدان الأمة.

من جانبه، أدار الشيخ حازم داود الندوة بأسلوب علمي تفاعلي، أتاح مساحة واسعة للحوار مع الحضور، وناقش سُبل التكامل بين المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية في دعم اللغة العربية بوصفها ركيزة أساسية للفتوى الرشيدة والخطاب الديني الوسطي.

وفي مداخلته أكد الدكتور نظير محمد عياد،  مفتي الجمهورية أن المحافظة على اللغة العربية محور أصيل في أي نقاش علمي جاد يتعلق بالعلوم الشرعية، موضحًا أن إتقان اللغة العربية وفنونها وآدابها شرطٌ لازم فيمن يتصدر للحديث باسمها أو يوظفها في خدمة الخطاب الديني، لما بين اللغة العربية والعلوم الشرعية من ارتباط لا ينفصم. 

أوضح المفتي أن العربية لغة عالمية لا تقتصر وظيفتها على كونها وسيلة للتواصل فحسب، بل هي وعاء الدين بقواعده وأصوله وأداة التعريف به والكشف عن مقاصده، مؤكدًا أنه لا يمكن التخلي عنها أو الاستغناء عنها باعتبارها الحامل الأساس للعلوم الشرعية والسبيل إلى فهمها فهمًا صحيحًا.

وشدَّد الدكتور نظير عياد على أن صيانة اللغة العربية وإبراز دورها العلمي والمعرفي يسهم في قطع الطريق على محاولات التشكيك واللمز التي تستهدفها، حيث إن مثل هذه الندوات واللقاءات العلمية تسهم في تفنيد الافتراءات وإظهار مكانة اللغة العربية بوصفها لغة الكشف عن مراد هذا الدين وإبراز محاسنه وجماله في صورة علمية رصينة.

تأتي هذه الندوة ضمن استراتيجية دار الإفتاء المصرية الرامية إلى تعزيز الوعي اللغوي لدى المتصدرين للفتوى، وترسيخ مكانة اللغة العربية باعتبارها جسرًا لفهم صحيح للدين، وأداة فاعلة في بناء وعي مجتمعي مستنير.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء