خبير استراتيجي: طهران ما زالت تمتلك أوراقا دبلوماسية وقدرة على المناورة
قال الدكتور نضال أبو زيد، الخبير الاستراتيجي، إن الحديث المتزايد عن مسار دبلوماسي لحل الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، يتزامن مع تحركات إيرانية لافتة خارج حدود الدولة، في ظل حالة توتر إقليمي غير مسبوقة، موضحًا أن هذا التوقيت يعكس إدراك طهران لحساسية المرحلة، ومحاولة إدارة الأزمة عبر قنوات متعددة في آن واحد، كما أن وجود قيادات إيرانية بارزة خارج البلاد لا يمكن فصله عن حجم الضغوط السياسية والعسكرية المفروضة على إيران، مؤكدًا أن هذه التحركات تحمل رسائل سياسية واضحة للولايات المتحدة وحلفائها، مفادها أن طهران ما زالت تمتلك أوراقًا دبلوماسية وقدرة على المناورة.
خريطة انتشار القيادات الإيرانية ودلالاتها
وأضاف أبو زيد، خلال مداخلة على فضائية القاهرة الإخبارية، أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يتواجد حاليًا في تركيا، في حين يوجد رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في موسكو، بينما انتقل الرئيس الإيراني من العاصمة الروسية إلى الصين، وهو ما يعكس نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا على أكثر من محور دولي في وقت بالغ الحساسية، وهذا الانتشار الجغرافي للقيادات الإيرانية، يعكس سعي طهران لتأمين دعم سياسي واقتصادي من قوى دولية مؤثرة، إلى جانب توجيه رسالة بأن إيران لا تتحرك بمعزل عن حلفائها، بل تعمل ضمن شبكة علاقات دولية تسعى من خلالها إلى موازنة الضغوط الغربية المتصاعدة.
وأكد الدكتور نضال أبو زيد، أن الولايات المتحدة تتحرك حاليًا وفق مسارين متوازيين في تعاملها مع إيران، الأول يقوم على إغراء طهران بالدخول في مسار دبلوماسي، عبر وسطاء إقليميين ودوليين، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انفجار الأوضاع بشكل كامل، أما المسار الثاني، يتمثل في الحشد العسكري المكثف على أرض الواقع، سواء من خلال تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة أو عبر الدعم غير المحدود لإسرائيل، معتبرًا أن واشنطن ترى أن النظام الإيراني يمر بمرحلة ضعف داخلي، ما قد يفتح الباب أمام فرض شروط أكثر صرامة.
استراتيجية الضغط وإضعاف الداخل الإيراني
وأشار إلى أن الرؤية الأمريكية الثانية تقوم على زيادة الضغط العسكري والسياسي بهدف إضعاف النظام الإيراني من الداخل، وليس فقط دفعه لتقديم تنازلات على طاولة المفاوضات، وهذه الاستراتيجية تقوم على استنزاف إيران اقتصاديًا وسياسيًا بالتوازي مع التلويح بالخيار العسكري، موضحًا أن كلا المسارين، الدبلوماسي والعسكري، يصبان في النهاية في مصلحة توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يسعى لتحقيق مكاسب سياسية داخلية وخارجية، سواء عبر اتفاق يعيد رسم ملامح الملف النووي الإيراني أو عبر تصعيد يفرض واقعًا جديدًا في المنطقة.
ولفت الخبير الاستراتيجي، إلى أن العامل الإسرائيلي يمثل عنصرًا حاسمًا في معادلة التصعيد، مؤكدًا أن تل أبيب تدفع بقوة نحو خيار المواجهة العسكرية مع إيران، واعتبر أن أي تصعيد محتمل يخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ظل أزماته السياسية الداخلية المتفاقمة، حيث أن الحكومة الإسرائيلية ترى في المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، وتوحيد الجبهة السياسية خلف نتنياهو، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، ما يجعل التصعيد الخارجي أداة للهروب من الضغوط الداخلية.
الحسابات الأمريكية والانتخابات المقبلة
وأوضح أن المشهد لا يقتصر على الحسابات الإسرائيلية فقط، بل يرتبط أيضًا باعتبارات أمريكية داخلية، في مقدمتها الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر 2026، واعتبر أن هذه الانتخابات تلقي بظلالها على قرارات الإدارة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، مؤكدًا أن التراجع عن التصعيد العسكري بعد هذا الحجم من الحشد السياسي والعسكري سيكون خيارًا صعبًا بالنسبة لواشنطن، لما قد يحمله من كلفة سياسية داخلية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل المنطقة أمام مفترق طرق بالغ الخطورة.
واختتم الدكتور نضال أبو زيد، الخبير الاستراتيجي، تصريحاته بالتأكيد على أن المنطقة تقف أمام سيناريوهات مفتوحة، تتراوح بين تسوية دبلوماسية مؤقتة وتصعيد عسكري واسع، مشددًا على أن طبيعة المرحلة الحالية تجعل أي خطأ في الحسابات قابلًا للتحول إلى مواجهة شاملة، حيث أن استمرار ازدواجية المسار الأمريكي، إلى جانب الضغوط الإسرائيلية والتحركات الإيرانية المتسارعة، يضع الشرق الأوسط أمام اختبار جديد، ستكون نتائجه حاسمة في رسم ملامح التوازنات الإقليمية خلال السنوات المقبلة.

