رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ما وراء الإطاحة بالجنرالات: صراع الولاء والفساد بالجيش الصيني

قوات الجيش الصيني
قوات الجيش الصيني - أرشيفية

تشهد الصين واحدة من أوسع حملات التطهير داخل المؤسسة العسكرية منذ عقود، وذلك عقب وضع الجنرال تشانغ يوشيا، نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، قيد التحقيق بتهم تتعلق بتسريب معلومات تقنية والحصول على رشى، في إجراء امتد ليشمل قيادات عسكرية بارزة أخرى.
وتأتي هذه التطورات في سياق متسارع من الإقالات والتحقيقات التي طالت قمة جيش التحرير الشعبي، بما في ذلك وزراء دفاع سابقون وأعضاء في أعلى هيئة قيادة عسكرية في البلاد.

قوات الجيش الصيني - أرشيفية 
قوات الجيش الصيني - أرشيفية 

وتكتسب هذه الحملة أهمية استثنائية بالنظر إلى المواقع التي يشغلها المستهدفون داخل هرم السلطة العسكرية، إذ تُعد اللجنة العسكرية المركزية الجهة المنوطة بإدارة الاستراتيجية الدفاعية للصين، وهو ما يعكس حجم القلق داخل القيادة الصينية من تداخل الفساد مع مفاصل حساسة في الجيش، لا سيما تلك المرتبطة بالتسليح المتقدم والقدرات النووية والصاروخية.

غير أن ما يجري يتجاوز كونه مجرد حملة لمكافحة الفساد داخل القوات المسلحة، إذ يمثل خطوة أعمق لفهم طبيعة العلاقة بين الحزب الشيوعي الصيني والمؤسسة العسكرية، وحدود الاستقلال داخل جيش يُفترض أن يكون أداة تنفيذية خاضعة لقيادة الحزب.

وفي هذا السياق، تبرز الإطاحة بجنرالات من الصف الأول بوصفها مؤشرًا على إعادة ترتيب شاملة لمعادلة السلطة داخل الجيش، تمهيدًا لمرحلة سياسية وأمنية أكثر حساسية، خاصة في ضوء ما ورد في وثيقة الأمن القومي للولايات المتحدة لعام 2026، والتي تضمنت إشارة إلى استعداد واشنطن لتفاهمات مع الجيش الصيني تحديدًا.

قوات الجيش الصيني - أرشيفية 
قوات الجيش الصيني - أرشيفية 

أزمة الثقة 

تعكس الإقالات والتحقيقات المتلاحقة داخل اللجنة العسكرية المركزية حالة غير مسبوقة من اهتزاز الثقة بين القيادتين السياسية والعسكرية في بكين. فاستهداف نواب رئيس اللجنة وأعضائها لا يمكن قراءته باعتباره حالات فردية معزولة، بل كمؤشر على خلل أعمق في منظومة الانضباط والرقابة داخل جيش التحرير الشعبي، ولا سيما في المستويات العليا التي يُفترض أنها الأقرب إلى مركز القرار.

ويكشف هذا التفكك عن مخاوف القيادة الصينية من تحوّل بعض القيادات العسكرية إلى مراكز نفوذ مستقلة، مستندة إلى شبكات مصالح مالية أو علاقات داخلية متجذرة. ومع التحديث السريع الذي شهده الجيش الصيني خلال العقد الأخير، برزت تحديات تتعلق بالشفافية والولاء، خصوصًا في ظل ضخ استثمارات هائلة في مجالي التسليح والتكنولوجيا العسكرية.

قوات الجيش الصيني - أرشيفية 
قوات الجيش الصيني - أرشيفية 

كما أن إفراغ اللجنة العسكرية المركزية من معظم أعضائها يعكس رغبة واضحة في إعادة ضبط هرم القيادة من الأعلى إلى الأسفل، بما يضمن وحدة القرار ويحول دون أي ازدواجية محتملة في مراكز القوة، وهو ما يشير إلى أن بكين باتت ترى في الاستقرار الداخلي للمؤسسة العسكرية شرطًا أساسيًا يسبق أي تحركات أو اختبارات خارجية.

التهديد الاستراتيجي 

يشير التركيز المكثف على قوة الصواريخ إلى إدراك القيادة الصينية لحساسية هذه الذراع العسكرية، التي تمثل جوهر الردع النووي والصاروخي للبلاد. فالفساد في هذا القطاع لا يقتصر على إهدار الموارد، بل يمتد ليطال موثوقية القدرات الدفاعية والهجومية في لحظات قد تكون مصيرية.

وتكشف التحقيقات المتعلقة بعمليات الشراء والتطوير، وإلغاء مئات الشراكات مع موردين وخبراء، عن مشكلات هيكلية رافقت تأسيس هذه القوة منذ بداياتها. ويعكس ذلك حجم التحدي الذي واجهته الصين في التوفيق بين التحديث السريع للقدرات العسكرية وبناء منظومة رقابة فعّالة قادرة على مواكبة هذا التوسع.

قوات الجيش الصيني - أرشيفية 
قوات الجيش الصيني - أرشيفية 

وفي ظل تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، وتزايد الحديث عن سيناريوهات محتملة تتعلق بتايوان وبحر الصين الجنوبي، يصبح أي خلل داخل قوة الصواريخ مصدر قلق استراتيجي بالغ. ومن ثم، تبدو الحملة الحالية محاولة لضمان جاهزية هذه القوة، ليس على المستوى التقني فحسب، بل على المستويين السياسي والأيديولوجي أيضًا.

ترسيم العلاقة مع الجيش

تكشف اللغة المستخدمة في بيانات وزارة الدفاع وصحيفة جيش التحرير الشعبي عن أولوية واضحة للبعد السياسي في هذه القضية، إذ جرى توصيف الاتهامات بوصفها «مشكلات سياسية»، بما يؤكد أن ما يُعاقَب عليه القادة العسكريون لا يقتصر على الفساد المالي، بل يشمل أي سلوك قد يُفهم منه تقويض لقيادة الحزب.

وفي هذا الإطار، تعيد القيادة الصينية التأكيد على مبدأ راسخ في النظام السياسي، مفاده أن الجيش أداة للحزب وليس مؤسسة مستقلة. كما توضح إحالة قرارات التحقيق إلى مركز الحزب أن المرجعية النهائية في القضايا الكبرى تظل سياسية، حتى وإن تعلقت بمؤسسة ذات طابع أمني أو عسكري.

قوات الجيش الصيني - أرشيفية 
قوات الجيش الصيني - أرشيفية 

وتحمل هذه الرسائل بعدًا ردعيًا موجهًا إلى الداخل العسكري، فحواه أن الخبرة الميدانية أو التاريخ الثوري أو المكانة المؤسسية لا توفر حصانة من المحاسبة. إذ يتقدم الولاء والانضباط الحزبيان على الكفاءة العسكرية في سلم الأولويات، خاصة في مرحلة تتسم بتزايد الحساسية على المستويين الداخلي والخارجي.

وتُظهر هذه التطورات أن حملة التطهير الحالية تمثل نقطة تحول في إدارة العلاقة بين الحزب والمؤسسة العسكرية، حيث يجري إعادة ترتيب مراكز القوة بما يضمن إحكام السيطرة السياسية على أكثر مفاصل الدولة حساسية. وفي هذا السياق، لا تبدو الإقالات مجرد معالجة لملفات فساد، بل جزءًا من عملية أوسع لإعادة هندسة النظام العسكري من الداخل.

 التطهير العسكري

وفي ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد حدة التنافس الاستراتيجي، تسعى بكين إلى ضمان أن يكون جيشها موحد القرار، منضبط الولاء، وخاليًا من مراكز النفوذ المتنافسة. وبذلك، تكرس القيادة الصينية معادلة واضحة قوامها أن الاستقرار السياسي داخل الجيش شرط مسبق لأي طموح عسكري أو استراتيجي خارجي.

قوات الجيش الصيني - أرشيفية 
قوات الجيش الصيني - أرشيفية 

كما أن إعادة ترتيب القيادة العسكرية، لا سيما في القطاعات المرتبطة بالردع النووي والصاروخي، تأتي في توقيت يشهد تصاعدًا في التنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وتزايدًا في الضغوط العسكرية والسياسية على المحيط الإقليمي للصين، من تايوان إلى بحر الصين الجنوبي.

وعلى الصعيد الخارجي، تحمل هذه التطورات إشارة مزدوجة؛ فمن جهة، تسعى بكين إلى طمأنة خصومها وشركائها بأن القيادة السياسية تفرض سيطرة كاملة على القوات المسلحة، بما يقلل من مخاطر الانفلات أو سوء التقدير العسكري.

ومن جهة أخرى، قد تُقرأ موجة الإقالات بوصفها مؤشرًا على وجود اختلالات داخلية في منظومة القيادة، وهو ما قد تستغله القوى المنافسة في حساباتها الاستراتيجية. ويضاف إلى ذلك أن تركيز الحملة على قوة الصواريخ يضع القدرات النووية الصينية تحت مجهر دولي أكثر تدقيقًا، خاصة في ظل النقاشات المتزايدة حول الشفافية العسكرية وبناء الثقة.

قوات الجيش الصيني - أرشيفية 
قوات الجيش الصيني - أرشيفية 

وفي هذا السياق، تبدو بكين حريصة على إيصال رسالة مفادها أن تحديث جيشها يجري وفق منطق الانضباط المركزي الصارم، وأن أي خلل داخلي يتم التعامل معه قبل أن يتحول إلى نقطة ضعف في ميزان القوى الإقليمي والدولي.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء