هل يمكن للأعمال الدرامية الوطنية أن تقتل النقد وتخلق وطنية مزيفة؟| خاص
أعمال الدراما الوطنية ليست مجرد ترفيه، بل أداة قوية لتشكيل الهوية وتعزيز الانتماء الوطني، تأثير هذه الأعمال يختلف بين الأطفال والشباب والكبار حسب مراحلهم النفسية والاجتماعية.
ومع ذلك، فإن تقديم الرسائل الوطنية بشكل مبالغ فيه قد يحمل مخاطر اجتماعية كبيرة تؤثر على قيم المجتمع واستقراره، وفي التقرير التالي يوضح لنا الدكتور سعيد صالح أستاذ الاجتماع السياسي، هذه المخاطر.
تأثير الأعمال الوطنية حسب الفئة العمرية: الأطفال، الشباب، والكبار
يوضح الدكتور سعيد صالح أستاذ علم الاجتماع السياسي، في تصريح خاص لـ “إيجيبتك” أن تأثير الأعمال الدرامية الوطنية (مثل الاختيار، رجال الظل، رأفت الهجان، أو أعمال مشابهة في السياق العربي) يختلف بشكل ملحوظ بين الأطفال (عادة تحت 12-14 سنة)، الشباب (المراهقين والشباب الجامعي حتى 30 سنة)، والكبار (البالغين فوق 30-35 سنة).

والاختلاف يأتي من مراحل النمو النفسي، مستوى النضج العاطفي والمعرفي، درجة التعرض للإعلام، ومدى ارتباطهم بالواقع السياسي/الاجتماعي.
لماذا يكون الشباب الأكثر تأثرا؟
قال أستاذ علم الاجتماع السياسي في تصريحه لـ “إيجبتك” إن الشباب يتأثرون بشكل أكبر لأنهم في مرحلة تشكل الهوية الاجتماعية والسياسية (حسب نظريات Erikson وغيره)، فضلا عن أنهم تعرضهم المستمر للإعلام الرقمي + نقاشات على تويتر X، تيك توك، فيسبوك.
كما أشار إلى أن دراسات مصرية (مثل تلك المتعلقة بـ”الدراما الوطنية المصرية” واتجاهات الشباب الجامعي) أظهرت ارتباطا إيجابيا قويا بين مشاهدة هذه الأعمال وزيادة قيم الانتماء والوعي الوطني لدى الشباب.
وتابع “د. سعدي صالح” قائلا إن الأطفال يتأثرون عاطفيا أكثر، لكن التأثير سطحي وسرعان ما يتلاشى بدون تعزيز، على عكس الكبار يملكون “فلتر” خبرة و التأثير يعتمد على مدى توافق الرواية مع تجاربهم.
في النهاية، الأعمال الوطنية تكون أقوى أداة لـ”إعادة إشعال” الوطنية عند الشباب، بينما عند الأطفال تبني أساساً عاطفياً، وعند الكبار تُجدد الذاكرة أكثر مما تغير.
الوطنية بين القوة والخطر: كيف يمكن للدراما أن تحول الوطنية إلى فخ اجتماعي؟
أوضح الدكتور سعيد صالح، أستاذ علم الاجتماع السياسي أن الدراما الوطنية قد تتحول إلى فخ، عندما يتخللها المبالغة، مشيرا إلى أن تقديم الرسائل الوطنية بطريقة مثيرة أو مبالغ فيها في الأعمال الدرامية يمكن أن يحقق تأثيرا إيجابيا قصير الأمد في تعزيز التماسك، لكنه يحمل مخاطر اجتماعية خطيرة على المدى المتوسط والطويل.
هذه المخاطر مستمدة من تجارب دولية (مثل ما بعد 11 سبتمبر في أمريكا) ومن نقاشات عربية حول أعمال مثل “الاختيار” ومسلسلات مشابهة، فيمكننا استشفاف هذه المخاطر الاجتماعية، وهي كالتالي:
1_ تحويل الوطنية لتطرف:
عندما يعرض الوطن كـ”خير مطلق” والآخر كـ”شر مطلق”، بعض المشاهدين خاصة الشباب ممكن يبنوا نظرة “نحن ضدهم”، مما يؤدي أحيانا لكراهية أو تبرير العنف ضد المعارضين أو مجموعات معينة.
2_ إضعاف النقد البناء:
تقديس المؤسسات بشكل مبالغ فيه يجعل أي نقد يعتبر خيانة، وبالتالي يقل قدرة المجتمع على مناقشة الأخطاء أو إصلاح الفساد.

3_ زيادة الانقسام الاجتماعي والسياسي:
الرسائل الوطنية المبالغ فيها تجعل المجتمع أكثر انقساماً بين “الوطنيين الحقيقيين” و”المشككين”، مما يصعب الحوار والمصالحة.
4_ فقدان المصداقية والسخرية من الوطنية:
إذا كانت الدراما مبالغ فيها (بطولات خارقة، نهايات مثالية دائماً)، قد يرى الجمهور أنها دعاية رخيصة، فيرفض الرسالة الوطنية أو يسخر منها.
5_ تطبيع العنف والتضحية المفرطة:
تصوير العنف أو التضحية كأمر يومي قد يقلل من قيمة الحياة، ويشجع بعض الشباب على المخاطرة أو التفكير بطريقة متطرفة.
6_ تشويه التاريخ والواقع:
المبالغة تبسط الأحداث التاريخية أو السياسية، فتنتج جيل يفهم التاريخ بشكل أحادي، ويصبح أقل قدرة على التعامل مع الواقع المعقد.
واختتم “صالح” بأن الرسائل الوطنية المثيرة أو المبالغ فيها قد تكون فعالة في أزمات مؤقتة (تهديد أمني، كارثة)، لكنها عندما تصبح نمطا دائما، تحول الوطنية من قيمة إيجابية جامعة إلى أداة استقطاب وتضليل ومكارثية ضد المعار والمنتقدين لأداء هذه الأجهزة او فسادها، مؤكدا أن التوازن الدرامي الجيد، هو الذي يبني وطنية مستدامة دون مخاطر التطرف أو الانهيار.

