"اتفاقية السلام".. بين التحرش الإسرائيلي والدبلوماسية المصرية
تحليل يكتبه | عمرو فاروق
طرحت حالة التصعيد في لغة الخطاب بين الجانبين المصري والإسرائيلي، والتي بلغت ذروتها عقب استهداف قيادات المكتب السياسي لحركة "حماس" في قلب العاصمة القطرية، وسعيها لاحتلال كامل قطاع غزة، تساؤلات حول مصير "معاهدة السلام" التي تم إبرامها بين الطرفين في مارس عام 1979، لا سيما في ظل الإصرار الإسرائيلي على الإنتهاكات والجرائم ضد مواطني قطاع غزة، والتلويح بتهجيرهم إلى الداخل السيناوي وفق مقترح "الوطن البديل"، في الوقت الذي تتمسك فيه القيادة السياسية المصرية بحل الدوليتن، ورفضها القاطع لتصفية القضية الفلسطينية.
ووفق الإعلام إسرائيلية، قررت مصر تقليل التنسيق الأمني مع تل أبيب حتى إشعار آخر، عقب الضربة التي استهدفت قيادات من حركة "حماس" في الدوحة، فضلًا عن إعادة ترتيب قنوات الاتصال الأمنية مع إسرائيل، وتحذيرها بتعلق "معاهدة السلام"، في حال أدت العمليات العسكرية في رفح إلى نزوح الفلسطينيين إلى سيناء.
خروقات الجانب الإسرائيلي لـ"معاهدة السلام"
خروقات الجانب الإسرائيلي لـ"معاهدة السلام" لا تحصى في ظل احتلالها لمحور صلاح الدين (فيلادلفيا)، وسيطرة الجيش الإسرائيلي على معبر رفح من الجانب الفلسطيني، فضلًا عن مشاركة الفرقة (162) (فرقة عسكرية إسرائيلية كاملة)، في المجازر التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في مدينة رفح، ما يعد انتهاكا للمعاهدة والتي حددت تقليل نسبة انتشار العناصر العسكرية على جانبي الحدود المصرية والإسرائيلية، ويمنح القاهرة الحق القانوني الكامل في تعليق العمل بالاتفاقية أو الانسحاب منها، وفقًا لقواعد القانون الدولي.
حالة التحرش التي يمارسها الإعلام الإسرائيلي، ضد الدولة المصرية، واتهامها بانتهاك "معاهدة السلام" في ظل إعادة خريطة انتشار القوات العسكرية في سيناء، لا يمثل سوى محاولات فجة على قلب الحقائق وتبيض وجه الكيان الصهيوني من جرائمه ضد مواطني قطاع غزة أمام الرأي العام الدولي، وتشتيت الانتباه عن التمدد الاستيطاني في الضفة الغربية، وتدمير قطاع غزة بالكامل، تمهيدا لتحقيق ما يعرف بـ"إسرائيل الكبرى".
عملية التفكير الجدّي في خروج القاهرة من اتفاقية "معاهدة السلام"، أو إعادة النظر في بنودها، وفقًا للمتغيّرات والسياقات السياسية والإقليمية، لا يملك الإجابة عنها سوى القيادة السياسية والعسكرية، في ظل الخروقات الإسرائيلية، واستمرار مخالفتها لقراري مجلس الأمن رقم 242 و338، لا سيما مبدأ الأرض مقابل السلام، وقيام الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين، في مقابل تمتعها بالمرور الآمن عبر الممرات المائية الدولية والبحر الإقليمي.
في ظلّ الجرائم الإسرائيلية المتكرّرة، فإنّ الدولة المصرية حريصة على احترام التزاماتها الدولية، لا سيما في ما يخصّ الحفاظ على استمرارية اتفاقية "معاهدة السلام" الموقّعة بين القاهرة وتل أبيب في 26 مارس1979، رغم تهديداتها وتحذيراتها وفق سياسات "الخطوط الحمراء"، التي أعلنتها القيادة السياسية والعسكرية في المرحلة الراهنة.
رغم التفاهم المتبادل في إطار عملية "السلام البارد" بين القاهرة وتل أبيب، لم تتورع أوراق الساسة والعسكريين الإسرائيليين من التبشير بمعركة عسكرية متوقعة بينهما، طمعًا في إعادة سيناء إلى حاضنة الكيان الإسرائيلي، عبر مجموعة من السيناريوهات التي تسقط معها الدولة المصرية، وتطمس عار هزيمة جيش الاحتلال في معركة أكتوبر عام 1973.
سردية الصراع المسلح المرتقب بين القاهرة وتل أبيب
سردية الصراع المسلح المرتقب بين القاهرة وتل أبيب، لم تعد سرًا مخفيًا في الدوائر السياسية والعسكرية والدينية الإسرائيلية، بناءً على المظلة التمهيدية التي يقدّمها إعلام الدولة العبرية، ودعواته لإعادة احتلال سيناء، وفقًا لاعترافات الحاخام الإسرائيلي اليميني، عوزي شرباف، ومحاولاتهم الزعم بتفكير الدولة المصرية في إجراءات الخروج من إتفاقية "إطار السلام في الشرق الأوسط" المعروفة إعلاميًا بـ"كامب ديفيد"، و"اتفاقية السلام" الثنائية.
يكفل قانون المعاهدات الدولية للدولة المصرية أن تعلق بعض بنود "معاهدة السلام" المصرية الإسرائيلية، وقد تم تعديل الاتفاقية مرتين بناء على طلب من القاهرة، الأولى فى 2005 حين وقعت الدولتين بروتوكول معدل للملحق الأمني بشأن محور فيلادلفيا في غزة ، وأيضا في عام 2021 ، طلبت مصر من إسرائيل التعديل الثاني للملحق الأمني للمعاهدة خاص بتعديل أوضاع وقدرات قوات حرس الحدود المصرية في المنطقة (ج) ، وفي الحالتين استجابت إسرائيل للطلبين المصريين.
وتنص المادة الثانية من "اتفاقية السلام" على أن الحدود الدائمة بين مصر وإسرائيل هي الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الانتداب كما هو واضح بالخريطة في الملحق الثاني، وذلك دون المساس بما يتعلق بوضع قطاع غزة، وتتضمن الاتفاقية إقرار كلا الطرفين بأن هذه الحدود مصونة لا تمس، ويتعهد كل منهما باحترام سلامة أراضي الطرف الآخر بما في ذلك مياهه الإقليمية ومجاله الجوي.
رغم مرور ما يزيد على 46 عامًا على "معاهدة السلام"، فإنّ مواقف الشارع المصري والعربي، ما زالت منقسمة ومتباينة حول قبولها ورفضها، ما بين دورها وأهميتها في حقن الدماء، وعودة سيناء كاملة، وما بين أسبابها في تراجع الدور الإقليمي للدولة المصرية، وشطرها للصف العربي والإسلامي، إلى معسكر "الممانعة"، ومعسكر "الاعتدال"، فضلاً عن تعهدات الولايات المتحدة الأمريكية في إطارها بالتدخّل العسكري، واحتفاظها بحقها في دعم إسرائيل في ما تتخذه من تدابير.
الإشكالية الكبرى لـ"معاهدة السلام"، تتمثل في مخالفة نصوصها التزامات القاهرة، ونسفها لمبادئ اتفاقية "الدفاع العربي المشترك" والموقّعة بين الدول العربية عام 1950، لمواجهة الدولة الصهيونية، تطبيقاً لأحكام المادة السادسة من ميثاق جامعة الدول العربية، لا سيما في ظلّ أهميتها خلال معركة "قطاع غزة" الراهنة، إذ تنص الفقرة الرابعة من المادة (5) من "معاهدة السلام"، على عدم دخول الطرفين في أي التزامات تتعارض مع بنودها، بينما تنص اتفاقية "الدفاع العربي"، على أنّ الاعتداء على أي من دول الاتفاقية، يمثل اعتداءً على بقية الدول الأعضاء، ويلزم دعم قدراتها العسكرية، ويحظّر عليهم عقد أي اتفاق دولي يناقض أحكام الاتفاقية.
جدلية التعارض بين "معاهدة السلام"، وتفعيل اتفاقية "الدفاع العربي"
جدلية التعارض بين "معاهدة السلام"، وتفعيل اتفاقية "الدفاع العربي"، ربما حسمتها تقارير محكمة العدل الدولية، التي بينت أنّ الاتفاقيات متعدّدة الأطراف مقدّمة في التطبيق والنفاذ على الاتفاقيات الثنائية، ما يسهم في إسقاط شرعية "معاهدة السلام"، وفقًا لتقرير "الهيئة القانونية" في الدفاع عن المتهمين في القضية رقم 714 لسنة 1987، والمعروفة إعلاميًا بتنظيم "ثورة مصر"، والذي قاده ضابط المخابرات السابق، محمود نور الدين، اعتراضًا على "معاهدة السلام" مع الجانب الإسرائيلي.
واقعياً، منذ إبرام اتفاقية "معاهدة السلام"، لم تحترم أو تلتزم إسرائيل بنودها، في ظل خروقات فجّة تنمّ عن عدم احترامها للشرعية الدولية، واحتمائها الدائم بالولايات المتحدة الأمريكية، ومحاولاتها صناعة صورة زائفة، موحيةً بأنّها "الدولة التي لا تُقهر"، في إطار بروباجندا إعلامية خادعة، وتكرارها التنصل من تعهداتها، بإخلاء "قطاع غزة"، طبقًا لما يُعرف بخطة "فك الارتباط"، أو اتفاقية محور "فيلادلفيا"، باعتباره منطقة عازلة تضمنتها معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية عام 1979، واستمرار هجماتها الدموية على الضفة الغربية والقطاع الغزاوي، واجتياحها المتكرّر للأراضي اللبنانية، وتعدّيها على المجال الجوي المصري، تحت غطاء البحث عن قيادات المقاومة المسلحة، وتحويل قواتها على الشريط الحدودي، إلى لواء عسكري مسلّح.
ذهب عدد من الفقهاء الدستوريين المصريين، إلى أنّ "معاهدة السلام"، مجرد "اتفاقية جلاء"، تُلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المصرية، ولا يترتب عليها أية آثار أو التزامات قانونية، وذلك إعمالاً للقاعدة القانونية التي تنص على أنّه "لا يجوز للمعتدي أن يجني ثمار عدوانه"، وأنّ القاهرة قامت بالتزاماتها وفقًا لمبدأ المجاملة الدولية، وليس التزامًا بقواعد القانون الدولي.
واعتبر المتخصصون القانونيون، أنّ اتفاقيتي "كامب ديفيد" (إطار السلام في الشرق الأوسط)، الموقّعة عام 1978، و"معاهدة السلام"، الموقّعة عام 1979، ليس لهما سند قانوني، لمخالفتهما مبادئ المعاهدات الدولية، ممثلاً في "اتفاقية فيينا" لقانون المعاهدات لعام 1969، فضلاً عن ترتيبهما التزامات في حق جهات ودول لم تشارك في التوقيع على المعاهدة، مثل سوريا والأردن ولبنان، ومنظمة التحرير الفلسطينية، من دون موافقتهم، وإغفالهما عمدًا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947 بإنشاء دولة فلسطينية بجوار دولة يهودية.
الثابت تاريخيًا أنّ الدولة المصرية تعتمد في شؤونها الداخلية والخارجية على السياسة الدبلوماسية الرصينة، المغلّفة بالقرارات المتزنة، مع احتفاظها بحق الردّ والدفاع عن أمنها القومي، بما يتراءى لها في الوقت المناسب، ومن دون انسياقها في أي مسارات عدائية تجاه أية دولة أخرى، ما يعزّز من صعوبة تطرّقها إلى عملية التخارج من "معاهدة السلام"، من دون دخولها دائرة التفاوض السياسي، وتغليبها للمشروعية الدولية، إلاّ في حالة التعدّي المباشر على أراضيها، وعلى سلمها الاجتماعي.



