بين الاتفاقيات وقرارات التنفيذ.. تطورات تصدير واستيراد الغاز في مصر
بين الاتفاقيات وقرارات التنفيذ.. تطورات تصدير واستيراد الغاز في مصر
يثار جدل واسع حول سياسات إدارة ملف الغاز الطبيعي، في وقت تعاني فيه مصر من ضغوط اقتصادية متزايدة وارتفاع حاد في فاتورة الاستيراد، بعد السماح بتصدير جزء من الإنتاج المحلي لصالح الشركاء الأجانب، مقابل لجوء الدولة إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال من الخارج بأسعار تفوق ضعف تكلفته التعاقدية.
وبين نصوص اتفاقيات تمنح مصر حقوقًا واضحة في شراء الغاز المنتج للاستخدام المحلي بأسعار ميسرة، وقرارات تنفيذية تذهب في اتجاه معاكس، تتزايد التساؤلات حول من يتحمل كلفة هذا التناقض، ولمصلحة من تُدار معادلة الغاز في توقيت اقتصادي بالغ الحساسية.
أكد الخبير البترولي مدحت يوسف، في تصريحات خاصة لـ" إيجبتك" أن الاتفاقيات البترولية الخاصة بإنتاج الغاز الطبيعي تنص صراحة على حق قطاع البترول في شراء الغاز المنتج – حصة الشركاء الأجانب – طالما سيذهب للاستخدامات المحلية، وبسعر ميسر لا يزيد أو يدور حول 6 دولارات للمليون وحدة حرارية، خاصة في حالة الإنتاج من المياه العميقة.
السياسيات المتبعة
أوضح «يوسف» أن السياسات المتبعة حاليًا تتناقض بشكل واضح مع هذه الاتفاقيات، بعدما سمحت وزارة البترول للشريك الأجنبي بتصدير جزء كبير من حصته من الغاز بعد إسالتها إلى الخارج ولحسابه الخاص، في الوقت الذي تقوم فيه مصر باستيراد الغاز الطبيعي المسال وفقًا للأسعار العالمية التي تتجاوز 10 دولارات للمليون وحدة حرارية، فضلًا عن أعباء إضافية تشمل تكاليف النقل البحري ومراكب إعادة التغويز وغيرها.
وأضاف أن هذه المعادلة تعني ببساطة حرمان الدولة من شراء الغاز المحلي بسعر تفضيلي يبلغ نحو 6 دولارات، وإجبارها على شرائه من الخارج بتكلفة تتجاوز 10 دولارات، وهو ما يمثل خسارة مباشرة للاقتصاد المصري ونزيفًا للعملة الصعبة، دون مبرر اقتصادي واضح.
وأشار الخبير البترولي إلى أن التبريرات الرسمية المتداولة، والتي تتعلق بالحفاظ على دور مصر كمركز إقليمي لتداول الغاز، أو بتحفيز الشريك الأجنبي على ضخ استثمارات جديدة في البحث والتنقيب، لم تنعكس حتى الآن في نتائج ملموسة، سواء على مستوى زيادة الإنتاج أو تحقيق اكتشافات كبرى تبرر هذا العبء المالي.
وشدد على أن الأخطر في هذا المشهد هو أن ما يجري يمثل تخليًا فعليًا عن حقوق تعاقدية واضحة ومميزة للدولة المصرية، والاتجاه إلى الاستيراد بأسعار مرتفعة، في توقيت يعاني فيه الاقتصاد من معدلات تضخم مرتفعة وضغوط تمويلية متزايدة.
وأكد أن أي تعديل في الاتفاقيات أو العقود البترولية لا يمكن أن يتم بقرار إداري منفرد، موضحًا أن تعديل العقود يتطلب موافقة مجلس النواب بعد مراجعة واعتماد خبراء مجلس الدولة، ولا يملك وزير البترول أو حتى رئيس مجلس الوزراء سلطة مطلقة لإجراء مثل هذه التعديلات دون المرور بالقنوات الدستورية والقانونية.
كواليس وضغوط
وكشف مصدر مطلع أن الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) تعرضت لضغوط لتعديل بعض العقود لصالح الشريك الأجنبي، في ظل احتياج الشركات العالمية للغاز بعد تنفيذ الاتحاد الأوروبي مقاطعة واسعة للغاز الروسي، وهو ما أدى إلى ارتفاع الطلب العالمي وأسعار الغاز.
وأوضح المصدر أن هذه التعديلات تم تبريرها بوعود زيادة استثمارات الشركاء الأجانب في مجالات البحث والاستكشاف والتنقيب، إلا أن ذلك – بحسب المصدر – يمثل خسارة اقتصادية مؤكدة لمصر في المدى القصير، مقابل مكاسب غير مضمونة في المستقبل.
وتابع مدحت يوسف تصريحاته بتساؤل مباشر "هل هناك تفسير اقتصادي أو قانوني مقنع يبرر تنازل الدولة عن حقوقها التعاقدية في شراء الغاز بسعر ميسر، وتحميل الموازنة تكلفة استيراده بأسعار مضاعفة، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لكل دولار؟".

