رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الذهب ينحرف والفضة تستغل الظروف.. سباق المعادن يلتهم جيوب العملاء|دراسة

الذهب والفضة
الذهب والفضة

سجلت أسعار الذهب والفضة ارتفاعات تاريخية جديدة خلال تعاملات اليوم الاثنين، مدفوعة بعوامل جيوسياسية والاقتصادية العالمية، فقد قفز سعر الذهب الفوري إلى مستوى قياسي غير مسبوق متجاوز 5100 دولار للأونصة، في الوقت الذي تستمر فيه البنوك المركزية في سياسة التحوط عبر زيادة احتياطيات الذهب. 

وفي السياق نفسه، شهدت أسعار الفضة ارتفاع حاد، حيث قفزت الأسعار الفورية بنحو 3% لتصل إلى 106.1 دولار للأونصة، مستفيدة من موجة الزخم الشرائي وتزايد الطلب الاستثماري، إضافة إلى استخدامات الفضة الصناعية المتنامية في قطاعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا. 

هذا الصعود المتزامن يؤكد حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية خاصة مع تصاعد الصراعات الإقليمية، وعودة المخاوف من موجات تضخم جديدة وتراجع الثقة في العملات الورقية، ما يدفع المستثمرين للبحث عن الملاذات الآمنة التقليدية، وعلى رأسها الذهب والفضة. 

ماذا تقول الأرقام؟

ووفقًا لدراسة حديثة صادرة عن البنك الدولي اطلعت عليها "إيجبتك"، فإن ما تشهده الأسواق حاليًا لا يمكن تفسيره فقط بالعوامل النفسية أو الجيوسياسية، بل يجب النظر إليه من زاوية إحصائية علمية تعتمد على المتوسط الحسابي والانحراف المعياري ومنحنى التوزيع الطبيعي. 

“هذا التقرير لا يقدم توقعات زمنية لكنه يضع أمام القارئ قراءة علمية بحتة لما يحدث، بعيدًا عن الضجيج والتخمين”

الدراسة اعتمدت على بيانات الأسعار الشهرية للذهب والفضة خلال الفترة الممتدة من يناير 2012 حتى يناير 2026، أي ما يقرب من 14 عام من البيانات التاريخية، وهي فترة كافية لاستخلاص أنماط سلوكية واضحة للأسعار. 

هل الذهب يشهد فقاعة سعرية؟

بحسب الدراسة، فإن المتوسط الحسابي لسعر أونصة الذهب خلال الفترة من يناير 2012 حتى يناير 2026 بلغ نحو 1724.3 دولار، بينما بلغ الانحراف المعياري لأسعار الذهب حوالي 667.74 دولار. 

وعند مقارنة الأسعار الحالية التي تجاوزت 5100 دولار، يتبين أن الذهب يتداول حاليًا بالقرب من مستوى الانحراف المعياري الخامس 5σ أعلى المتوسط التاريخي، وهو مستوى مرتفع للغاية من الناحية الإحصائية.

هل الذهب في فقعة سعرية 
هل الذهب في فقعة سعرية 

صحيح أن العلم لا يمنع بقاء الأسعار مرتفعة لفترة طويلة، لكن الوصول إلى هذا البعد الكبير عن المتوسط يعني أن الذهب مبالغ في تسعيره بنسبة تقدّر بنحو 62.5% مقارنة بالفضة، في حالة تم القياس النسبي بين الانحرافات المعيارية للسلعتين.

"الذهب يعيش حالة فقاعة.. لكنها ليست بالحدة أو الخطورة نفسها الموجودة في سوق الفضة."

لماذا تعد الفضة في وضع “غير طبيعي”؟

وتظهر البيانات أن متوسط السعر الشهري للفضة خلال نفس الفترة بلغ 23.009 دولار للأونصة، بينما بلغ الانحراف المعياري لأسعار الفضة 10.054 دولارات. 

إقرأ أيضًا.. "توليد الثروة".. استثمار الأسهم يتفوق على الذهب في معركة الـ 200 عام

وهذا يعني أن السعر الطبيعي للفضة يتحرك حول هذا المتوسط صعود وهبوط، حيث الأسعار الحالية للفضة لا تبتعد عن المتوسط بمقدار انحراف معياري أو اثنين أو حتى ثلاثة،  بل وصلت إلى ثمانية أضعاف الانحراف المعياري (8σ).

منحنى التوزيع .. يكشف فقعة الفضة
منحنى التوزيع .. يكشف فقعة الفضة

وأشارت الأرقام إلي أن وصول الفضة إلي ثمانية أضعاف الانحراف المعياري، وهذا يعرف علميًا بحالة Fat Tail، وهي حالة نادرة وغير طبيعية، وغالبًا ما تنتهي بتصحيح حاد يعيد الأسعار إلى نطاقها الطبيعي.

"التصحيح قد لا يحدث غدًا أو خلال شهر.. لكن حدوثه يصبح مسألة وقت لا أكثر."

 

هل علاقة الذهب بالفضة تنذر بتصحيح قادم؟

عند النظر إلى نسبة سعر الذهب إلى الفضة "Gold/Silver Ratio"، نجد أن العلاقة الحالية بلغت حوالي 48.6، أي أن سعر الذهب يعادل 48.6 ضعف سعر الفضة.

بينما تشير البيانات التاريخية إلى أن متوسط النسبة خلال الفترة من 2012 إلى 2026 كان يدور حول 76.3.

علاقة الذهب والفضة 
علاقة الذهب والفضة 

بمعنى آخر، النسبة الحالية انحرفت بأكثر من ضعف الانحراف المعياري عن متوسطها، ما يعني – إحصائيًا – وجود احتمال يقارب 95% لعودة هذه النسبة إلى متوسطها إذا صحت نظرية “العودة للمنتصف.

5 سناريوهات محتملة لأسعار الذهب والفضة

وبناءً على الدراسة تبرز خمسة سيناريوهات محتملة:

الأول: ارتفاع الذهب إلى 7600 دولار مع ثبات الفضة قرب 100 دولار

الثاني: هبوط الفضة إلى 65 دولار مع ثبات الذهب قرب 5000 دولار

الثالث: هبوط الاثنين معًا (ذهب 3000 – فضة 40)

الرابع: صعود الاثنين معًا (ذهب 9000 – فضة 118)

الخامس: صعود الذهب إلى 6000 مع هبوط الفضة إلى 80

ووفقا للسيناريوهات فأن 3 من أصل 5 سيناريوهات تعتمد على هبوط الفضة، وهو مايؤكد فرضية أن الفضة مرشحة إلي الانخفاض خلال الفترة الزمنية المقبلة.

لماذا ارتفع الذهب والفضة بهذا الشكل؟.. خبير يفسر

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي إبراهيم العقباوي إن الارتفاعات القياسية التي تشهدها أسعار الذهب والفضة عالميًا ليست مفاجئة، بل تؤكد حالة اضطراب وعدم يقين غير مسبوقة تسيطر على الأسواق الدولية خلال الفترة الحالية. 

وأوضح العقباوي في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك" أن الأوضاع الجيوسياسية المتوترة، إلى جانب تصاعد الصراعات الإقليمية، وعودة السياسات التصادمية على الساحة الدولية، لعبت دورًا محوريًا في دفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة، وعلى رأسها الذهب والفضة، باعتبارهما مخزنًا تقليديًا للقيمة في أوقات الأزمات. 

قد يعجبك.. شواهد من 2020 إلى 2025.. رحلة الأموال من البنوك إلى البورصة

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن التوترات العالمية التي تصاعدت منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السلطة، وما صاحبها من سياسات حمائية، وحروب تجارية وتصريحات غير متوقعة، أسهمت بشكل كبير في زيادة حالة عدم اليقين داخل الأسواق المالية، وهو ما انعكس مباشرة على سلوك المستثمرين الذين فضلوا التحوط بدلًا من المخاطرة. 

الذهب المستفيد الأول من تراجع قيمة العملات

وأضاف العقباوي أن الذهب تحديدًا استفاد من تراجع الثقة في العملات الورقية، وارتفاع مستويات الدين العام عالميًا، فضلًا عن لجوء عدد متزايد من البنوك المركزية إلى تعزيز احتياطياتها من الذهب كوسيلة لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، ما خلق طلبًا هيكليًا طويل الأجل على المعدن الأصفر. 

وفيما يتعلق بالفضة، فأكد الخبير الاقتصادي أن صعودها لا يرتبط فقط بدورها كملاذ آمن، بل يتغذى أيضًا على الطلب الصناعي المتزايد، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة وصناعة الألواح الشمسية، والتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما ضاعف من حدة الارتفاع مقارنة بالذهب. 

ولفت العقباوي إلى أن الأسواق تمر حاليًا بمرحلة تسعير قائمة على الخوف بقدر ما هي قائمة على الأساسيات، موضحًا أن المستثمرين في أوقات التوتر لا ينتظرون تأكيدات، بل يسارعون بالتحوط، حتى وإن بدت الأسعار مرتفعة أو مبالغًا فيها من الناحية الإحصائية. 

وأكد أن استمرار التوترات الجيوسياسية مع غياب رؤية واضحة لمستقبل السياسات النقدية العالمية، واستمرار الضغوط التضخمية، قد يبقي الذهب والفضة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أي تهدئة سياسية أو استقرار اقتصادي مفاجئ قد يدفع الأسواق إلى موجات تصحيح قوية، خاصة في سوق الفضة. 

وشدد العقباوي على أن ما يحدث حاليًا في أسواق المعادن النفيسة هو نتيجة طبيعية لاختلال ميزان الثقة عالميًا، مشيرًا إلى أن المستثمر الذكي يجب أن يفرّق بين التحوط طويل الأجل والمضاربة قصيرة الأجل، وأن يتعامل مع هذه المستويات السعرية المرتفعة بحذر شديد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء