استشاري نفسي: الصلابة النفسية لا تولد مع الإنسان بل تُبنى منذ الطفولة
قالت الدكتورة دعاء حسين، استشاري الصحة النفسية، إن مصطلح الصمود النفسي يبدو بسيطًا في لفظه، لكنه يحمل معاني كبيرة وعميقة، مشيرة إلى أن كثيرين يفتقدون هذا المفهوم دون أن يدركوا أهميته في حياتهم اليومية، حيث أن الصمود النفسي يعني قدرة الإنسان على مواجهة الأزمات والصعوبات والتحديات النفسية التي يمر بها خلال حياته، سواء كانت صدمات عاطفية أو نفسية أو اجتماعية، مؤكدة أن الأزمات النفسية قد تتمثل في فقدان شخص عزيز، أو التعرض لخيانة أو انفصال، أو الفشل في العمل أو الدراسة، أو التعرض لأذى نفسي من أشخاص مقربين، وكلها مواقف تضع الإنسان في حالة صدمة تحتاج إلى وعي ودعم حتى يتم تجاوزها.
هل توجد أزمات أصعب من غيرها؟
وأضافت حسين، خلال لقاء على قناة الثانية المصرية، أن تصنيف الأزمات من حيث الصعوبة يختلف من شخص لآخر، فهناك من يستطيع تقبل المرض بسهولة، بينما ينهار آخرون نفسيًا أمام التشخيص ذاته، حيث أن الأمر يعتمد على طبيعة الشخصية، ودرجة التقبل، والخبرات السابقة، والدعم النفسي المتاح، موضحة أن قدرة التحمل ليست واحدة عند الجميع، فهناك أشخاص يمرون بأزمات قاسية ويواصلون حياتهم بقوة وطاقة، بينما ينهار آخرون أمام أول اختبار، وهو ما يفسر الفرق بين من يمتلك الصلابة النفسية ومن يعاني من الهشاشة النفسية.
وأكدت استشاري الصحة النفسية، أن الصلابة النفسية لا تولد مع الإنسان، بل تُبنى منذ الطفولة، من خلال بيئة داعمة وأسرة متوازنة تساعد الطفل على التعبير عن مشاعره وتعلم مهارات المواجهة، فكل أزمة يمر بها الإنسان تمر بخمس مراحل نفسية طبيعية لا بد من إدراكها، مضيفة أن المرحلة الأولى هي الإنكار، حيث يرفض الشخص تصديق ما حدث، تليها مرحلة الغضب والحزن الشديد، ثم مرحلة المساومة أو التساؤلات الداخلية مثل “لماذا حدث لي هذا؟”، وهي مرحلة خطيرة إذا طالت.
الحزن ليس ضعفًا
وأشارت الدكتورة دعاء حسين، إلى أن المرحلة الرابعة هي مرحلة الحزن أو الاكتئاب، مؤكدة أهمية إعطاء النفس فرصة للحزن والتعبير عن المشاعر بدلًا من كبتها، حيث أن البكاء ليس ضعفًا، بل وسيلة صحية لتفريغ الألم النفسي، حيث أن التعبير عن المشاعر يختلف من شخص لآخر، فهناك من يبكي، أو يكتب، أو يتحدث، أو حتى يصرخ، وكلها وسائل مشروعة تساعد على التعافي، محذرة من خطورة إنكار المشاعر أو تجاهلها.
ولفتت إلى أن المرحلة الخامسة والأهم هي مرحلة القبول، حيث يصل الإنسان إلى حالة من الرضا والتسليم، ويبدأ في التعافي الحقيقي من الأزمة. وشددت على أن عدم الوصول إلى هذه المرحلة يعد مؤشر خطر يستوجب التدخل، سواء من الأسرة أو المختصين النفسيين، موضحة أن الدعم الأسري يلعب دورًا محوريًا في تجاوز الأزمات، خاصة في حالات الفقد، حيث تحتاج الأسرة إلى التكاتف والدعم المتبادل لتجاوز الألم.
كيف نربي أبناء أقوياء نفسيًا؟
واختتمت الدكتورة دعاء حسين، استشاري الصحة النفسية، حديثها بالتأكيد على أن الأطفال يكتسبون الصلابة النفسية من خلال مراقبة تصرفات الوالدين في الأزمات، مؤكدة أن الطفل لا يتعلم مما يُقال له، بل مما يراه. وأضافت أن المبالغة في حماية الأطفال تحرمهم من تعلم الاعتماد على النفس وحل المشكلات، كما شددت على أهمية ترك مساحة للطفل ليواجه مشكلاته البسيطة بنفسه، مع تقديم الدعم والتوجيه عند الحاجة، والتدخل الإيجابي فقط في حال تفاقم المشكلة.
وتابعت أن الأسرة هي المرآة الأولى التي يرى فيها الطفل كيفية التعامل مع الضغوط والأزمات، مشددة على أن بناء جيل يتمتع بالصمود النفسي يبدأ من وعي الآباء والأمهات بأنفسهم أولًا، مؤكدة أن الهدوء، والتفكير الإيجابي، والتعبير الصحي عن المشاعر، والاعتماد على الله، هي مفاتيح أساسية لعبور الأزمات وبناء إنسان متوازن نفسيًا وقادر على مواجهة الحياة بثبات.

