من الدولار إلى الذهب.. "إيجبتك" تكشف خريطة جديدة للاحتياطيات العالمية|خاص
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية وتغير خريطة التحالفات الدولية، لم تعد السياسة منفصلة عن الاقتصاد بل أصبحت المؤشرات المالية تعكس بوضوح اتجاهات الدول وخياراتها الاستراتيجية، فبعد عقود طويلة من اعتماد أغلب دول العالم على الدولار الأميركي كعملة احتياطية رئيسية وأداة للتحوط وحفظ القيمة، بدأت ملامح هذا المشهد تتغير بشكل تدريجي مع صعود الذهب مجددًا كملاذ آمن وبديل استراتيجي تفضله البنوك المركزية حول العالم.
هذا التحول لا يأتي من فراغ بل يعكس حالة القلق المتزايد من الاعتماد المفرط على عملة واحدة، في عالم بات أكثر انقسام وأقل استقرارًا، وأكثر حساسية للقرارات السياسية والاقتصادية الكبرى.
إيجبتك تكشف تجيب.. هل يفقد الدولار مكانته كعملة احتياطية؟
وتكشف "إيجبتك" في التقرير التالي كيف بدأ الدولار الأميركي يفقد تدريجيًا هيمنته كعملة الاحتياطي النقدي الأولى عالميًا، مقابل صعود ملحوظ للذهب الذي بات يمثل خيارًا أكثر أمانًا واستقلالية للبنوك المركزية، بعيد عن الضغوط السياسية والقيود المالية.
ووفقًا لتقرير حديث أطلعت "إيجبتك" على نسخه منه، تراجعت حصة الأصول المقومة بالدولار من إجمالي الاحتياطيات النقدية العالمية إلى 56.9% خلال الربع الثالث من عام 2025، وهو أدنى مستوى تسجله منذ عام 1994، في مؤشر واضح على تحوّل هيكلي طويل الأمد في النظام النقدي العالمي.
التراجع بدأ منذ عام 2001
وتظهر البيانات الصادر في ديسمبر 2025 أن التراجع ليس وليد اللحظة، بل يمثل اتجاه ممتد منذ سنوات، حيث انخفضت حصة الدولار من ذروتها التاريخية البالغة 72% من الاحتياطيات العالمية في عام 2001.

ومنذ منتصف عام 2014، ظلت القيمة الاسمية لحيازات البنوك المركزية الأجنبية من الأصول المقومة بالدولار مستقرة نسبيًا، إلا أن الاحتياطيات بالعملات الأخرى نمت بوتيرة أسرع، ما أدى إلى تراجع الوزن النسبي للدولار داخل محافظ الاحتياطي العالمي.
عملات غير تقليدية تزاحم الدولار
وأشار التقرير إلى أن جزءًا كبيرًا من هذا التحول جاء لصالح عملات غير تقليدية، والتي باتت تمثل نحو 5.6% من إجمالي الاحتياطيات النقدية العالمية بنهاية سبتمبر 2025، في خطوة تؤكد على أن البنوك المركزية أصبحت تنويع أدوات التحوط وتقليل المخاطر.
في المقابل، حافظ اليورو على استقرار نسبي عند مستوى يقارب 20% من الاحتياطيات العالمية، بينما عاد اليوان الصيني إلى مستويات قريبة من عام 2019، متأثرًا بقيود هيكلية تتعلق بضوابط رأس المال ومحدودية قابلية التحويل.
مشتريات البنوك المركزية من الذهب
وبالتوازي مع تراجع حصة الدولار، شهدت مشتريات الذهب من قبل البنوك المركزية قفزات تاريخية خلال السنوات الأخيرة، فمنذ عام 2010، تحول الاتجاه العالمي من بيع الذهب إلى الشراء المستمر، لكن الفترة بين 2019 و2024 سجلت مستويات غير مسبوقة، تجاوزت 1000 طن سنويًا وهو رقم يفوق بكثير المتوسط السنوي للعقد السابق.
وتسارع الاتجاه مع تصاعد الأزمات العالمية، وعلى رأسها الحرب الروسية – الأوكرانية منذ 2022، والتي أعادت الذهب إلى قلب الاستراتيجيات الاحتياطية كأصل آمن لا يخضع للعقوبات أو التقلبات السياسية المباشرة، بالإضافة إلي التخوف من الرسوم الجمركية التي طالما ما هدد بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ توليه الرئاسة.

وتهدف البنوك المركزية إلى تقليص تركز احتياطياتها في الدولار الأميركي وسندات الخزانة خاصة في ظل تقلبات العملة، وارتفاع مستويات الدين الأميركي وتأثير القرارات السياسية على النظام المالي العالمي.
ووفقًا لخبراء يمثل الذهب أصل محايد لا يرتبط بسياسات الفيدرالي الأميركي أو توجهات الاقتصاد الأميركي، ما يمنح الدول هامش أكبر من الاستقلال المالي.
خبير يجيب لـ"إيجبتك" هل يفقد الدولار مكانته؟
يرى الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي الدكتور إسلام جمال الدين، أن الحديث عن نهاية دور الدولار كعملة احتياطية عالمية يفتقر إلى الدقة، موضحًا أن ما يحدث حاليًا هو إعادة توزيع للأوزان داخل المحافظ الاحتياطية وليس استبدال كامل للدولار، مؤكدُا أن الدولار لا يزال يتمتع بأكبر سوق سندات سيادية في العالم، وسيولة لا تضاهى، إضافة إلى عمق مالي يجعل من الصعب الاستغناء عنه في المدى المنظور.
وأوضح جمال الدين في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك" أن قوة الدولار لا ترتبط فقط بحجمه في الاحتياطيات بل بدوره المحوري في التجارة الدولية وتسعير السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها النفط والغاز والمواد الخام، فضلًا عن كونه العملة الأساسية في أسواق التمويل والديون العالمية، وهو ما يعزز فرص استمراره كعملة احتياطي رئيسية رغم تراجع نسبته.
لماذا تتجه الدول إلى الذهب رغم بقاء الدولار؟
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن لجوء البنوك المركزية إلى الذهب لا يعكس فقدان الثقة في الدولار، بقدر ما يؤكد زيادة المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين الاقتصادي، مؤكدًا أن الذهب يستخدم كأداة تحوط استراتيجية في أوقات الأزمات وليس كبديل مباشر للعملات.
وأضاف عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي أن الذهب يتميز بكونه أصل محايد وغير خاضع للسياسات النقدية أو العقوبات الاقتصادية، ما يجعله خيار مفضل للدول التي تهدف لتقليل تعرضها للصدمات السياسية والمالية، خاصة في ظل تصاعد النزاعات التجارية والاضطرابات الجيوسياسية.
إقرأ أيضًا.. "إيجبتك" تكشف كواليس تحركات الدولار في 2026.. لماذا تراجع أمام الجنيه؟
وأكد جمال الدين أن الاتجاه العالمي الحالي يتمثل في بناء محافظ احتياطية أكثر توازنًا وتنوعًا، تجمع بين الدولار، واليورو، والذهب، وبعض العملات الأخرى، بما يحقق مرونة أعلى في إدارة المخاطر. فالدول لم تعد تهدف للاعتماد على أصل واحد، بل إلى توزيع المخاطر بين أدوات متعددة.
وأوضح أن التوازن يمنح البنوك المركزية قدرة أفضل على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية وتغير السياسات النقدية للدول الكبرى، دون أن يترتب على ذلك التخلي عن الدولار كركيزة أساسية في النظام المالي العالمي.
الدولار باق والذهب مكمل استراتيجي
وأشار إسلام جمال الدين إلي أن الدولار سيظل العملة الاحتياطية الأولى عالميًا في المستقبل المنظور، مدعوم بقوة الاقتصاد الأميركي، وعمق الأسواق المالية، والثقة الدولية المتراكمة عبر عقود في حين سيواصل الذهب لعب دور المكمل الاستراتيجي داخل الاحتياطيات العالمية.

