رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"الأزهر": شهر رجب يؤسس لثقافة السلام ولا يكتفي بتحريم القتال

شهر رجب
شهر رجب

عقد الجامع الأزهر الشريف، ندوته الأسبوعية ضمن فعاليات «ملتقى المرأة»، تحت عنوان «رجب رسالةُ السلامِ إلى العالمين»، وذلك بحضور الدكتورة فريدة محمد علي، أستاذة البلاغة والنقد، عميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقاهرة بجامعة الأزهر، والدكتورة سوسن حسانين الهدهد، أستاذة أصول اللغة ووكيلة الدراسات العليا والبحوث بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القاهرة، والدكتورة حياة العيسوي، الباحثة بالجامع الأزهر.

ملتقى المرأة بالجامع الأزهر عن شهر رجب 
ملتقى المرأة بالجامع الأزهر عن شهر رجب 

شهر «رجب» يؤسس لثقافة السلام ولا يكتفي بتحريم القتال

وفي هذا الصدد، قالت الدكتورة فريدة محمد علي، إنَّ شهرَ رجبٍ يُمثِّلُ محطةً روحيةً ذاتَ دلالةٍ كونيةٍ، يتجلّى فيها السلامُ مبدأً مؤسِّسًا في الوعي الإسلامي، لا شعارًا عابرًا؛ فرجبُ ـ بوصفه من الأشهر الحُرُم ـ لا يكتفي بتحريم القتال حكمًا فقهيًّا، بل ينهض خطابًا أخلاقيًّا وبلاغيًّا يُرسِّخ منطقَ الكفِّ والسِّلم، ويُعيد تنظيم علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالكون.

وبيَّنت أنَّ السلامَ في الإسلام أصلٌ تشريعيٌّ ومقاصديٌّ، يتبدّى في التحية، ويتجسَّد في اسم الله «السلام»، وتقوم عليه مقاصدُ الشريعة في حفظ الضروريات، ويأتي شهرُ رجبٍ ليُفعِّل هذا المعنى في الوجدان المجتمعي، مؤكِّدًا أنَّ الأمانَ سابقٌ على الصدام، وأنَّ العدوانَ طارئٌ لا قاعدة.

وأضافت أن شهر رجب يحمل قيمةً رمزيةً عميقةً لاتصاله بحادثة الإسراء والمعراج، حيث تتجلّى حكمةُ المعراج: صعودٌ روحيٌّ يعقبه هبوطٌ قيميٌّ لإصلاح الواقع، فيغدو الشهرُ رمزًا لسلامٍ يبدأ من تطهير الداخل ثم يمتدُّ إلى العالم. 

وتابعت: ويمارس شهرُ رجبٍ وظيفةً تربويةً تمهيدية، يُهيِّئ النفسَ لاستقبال شعبان ثم رمضان، في انتقالٍ متدرِّجٍ من السلام السلبي إلى السلام الإيجابي؛ وبذلك لا يكون رجبُ مجرَّد شهرٍ في التقويم، بل رسالةَ سلامٍ زمنية، وتدريبًا أخلاقيًّا، وتأكيدًا على أنَّ جوهرَ الرسالة المحمدية رحمةٌ شاملةٌ موجَّهةٌ إلى العالمين.

فضل شهر رجب 

ومن جانبها، أشارت الدكتورة سوسن حسانين الهدهد، إلى أنه من فضل الله تعالى على عباده أن اصطفى لهم مواسمَ خيرٍ وبركةٍ، تُضاعَف فيها الحسنات، ويُتجاوز فيها عن السيئات، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾، وقال ﷺ: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا»، متابعة: ومن هذه المواسم الإيمانية الأشهرُ الحُرم التي تحمل رسالةَ سلامٍ للإنسانية كلها، لأنَّ الإسلامَ دينُ السلام، لا يدعو أبدًا لقتال ولا لسفك دماء، بل يجنح إلى السِّلم ويؤكِّد عليه.

وبيَّنت أنَّ الأشهرَ الحُرم قد أوضحها الله تعالى في كتابه العزيز، ولها حرمةٌ ومكانةٌ وقداسةٌ، وتعظيمها يقتضي الكفَّ عن كل ألوان التطرف والإرهاب وسفك دماء الآمنين أو ترويعهم، كما يقتضي الإقبالَ على الله تعالى بكثرة الطاعات. 

واستطردت: وقد كان العربُ في الجاهلية يعظِّمون هذه الأشهر، حتى إنَّ الرجلَ كان يلقى قاتلَ أبيه فلا يمدُّ يده إليه. وشهرُ رجبٍ من الترجيب، أي التعظيم، وكانوا يسمُّونه «الأصم»؛ لعدم سماع قعقعة السلاح فيه، وكانوا يسمونه: «مُنصِلَ الأسِنَّة».

وبينت أنَّ سرَّ كون الأشهر الحُرم أربعة: ثلاثةٌ سَرْدٌ وواحدٌ فرد، أنَّها شُرعت لتحقيق الأمان للناس في أداء مناسك الحج والعمرة؛ فحُرِّم القتال في ذي القعدة تمهيدًا للحج، وفي ذي الحجة لانشغال الناس بالمناسك، وفي المحرم ليعودوا إلى ديارهم آمنين، بينما حُرِّم في رجب ليجدد الإنسان عهده وتوبته مع الله، ويتهيأ تهيئةً إيمانيةً خالصة؛ ولذا كان رجبُ شهرَ الزرع، وشعبانُ شهرَ السقي، ورمضانُ شهرَ الحصاد.

واختتمت حديثها بالتأكيد على ضرورة استحضار سماحة الإسلام وغايته العظمى في تحقيق السلام والأمان، فدينٌ يحرم القتال وانتهاك الحرمات في ثلث العام إنما يريد أن يأمن الناس على حياتهم وأموالهم وأعراضهم. ويُعَدُّ شهرُ رجبٍ رسالةَ سلامٍ إلى العالمين، يدعو المسلمَ إلى تجديد توبته، والتقرُّب إلى الله تعالى بأنواع الطاعات، وإلى محبة الخير للآخرين، ونبذ العدوان، وهو منهجٌ نبويٌّ دعا إليه المصطفى ﷺ.

الإسلام دين السلم والسلام والأمن والأمان

وفي السياق ذاته، أكدت الدكتورة حياة العيسوي، أنَّ الإسلامَ دينُ السلمِ والسلامِ والأمنِ والأمان، حيث حُرِّم القتالُ في الأشهرِ الحُرم، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، وقد سُمِّيَ شهرُ «رجبٍ الأصم»؛ لأنَّه لا يُسمَعُ فيه صوتُ السلاح، إلّا إذا داهم العدوُّ الأوطان، فيُفرَض القتالُ حينئذٍ دفاعًا عن النفس والأهل والمال والوطن.

ودعت إلى الالتزام بالوصايا التي أرشد إليها الدينُ الحنيف، وفي مقدمتها كفُّ النفسِ عن المعاصِي والفواحشِ والمنكراتِ، واغتنامُ مواسم الخير، مستشهدةً بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ».

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء