في خطبة الجمعة غدًا: الإسراء والمعراج إعلان إلهي عن عظمة النبي
نشرت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة المقرر إلقاؤها غدًا 16 يناير الموافق 27 رجب 1447 والتي تأتي بعنوان: (من دروس الإسراء والمعراج .. جبر الخواطر).
تركز خطبة الجمعة، غدًا على أنّ رحلةَ الإسراءِ والمعراجِ تمثّلُ الإعلانَ الإلهيَّ عن عظمةِ النبيِّ الخاتمِ (صلى الله عليه وسلم)، وهيَ التتويجُ الربانيُّ الذي جعلَ من شخصِه الشريفِ محورًا للمكارمِ، حينَ سارَ في ركابِ العزةِ من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى، ليجدَ موكبَ الأنبياءِ والرسلِ في انتظارِه، ليؤمَّهم في صلاةٍ شهدتْ عليها أركانُ التاريخِ، فكانَ إمامًا للمرسلينَ وسيدًا للعالمينَ، وعُرِجَ بهِ في مدارجِ النورِ، ففُتحتْ لهُ أبوابُ السماواتِ ترحيبًا وإجلالًا، حتى جاوزَ حدودَ الخيالِ البشريِّ، وارتقى فوقَ سدرةِ المنتهى، حيثُ تجلّى لهُ من أنوارِ القدسِ ما لم يشهدْهُ أحدٌ من قبلِه.
سر القدرة الإلهية
تؤكد وزارة الأوقاف في الخطبة على أن نبينا الكريم سمعَ صريفَ الأقلامِ وهيَ تخطُّ مقاديرَ الأكوانِ في حضرةِ ربِّ العالمينَ، ليكونَ هذا الرقيُّ المحمديُّ فخرًا لكلِّ من انتسبَ إلى دينِه، وعزًّا يطاولُ هاماتِ السحابِ، إذ صارَ نبيُّنا هو الإنسانُ الذي وطئَ بقدسيةِ خطاهُ بساطَ القربِ، وشاهدَ بعينيْه ملكوتَ السماواتِ، وعادَ بمنهجٍ يربطُ الأمةَ بأسرارِ السماءِ، ويمنحُها الرفعةَ في الأرضِ، في مشهدٍ مهيبٍ يجسدُ أسمى مراتبِ الاصطفاءِ، ويتوجُ ذلكَ كلَّهُ بمحضِ المشاهدةِ والمكاشفةِ لسرِّ القدرةِ الإلهيةِ التي انحنتْ أمامَ جلالِها كافةُ الصورِ والرسومِ، قالَ سبحانهُ وتعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾.
في تلكَ الليلةِ المشرفةِ تحققَ مجمعُ الأنبياءِ، ومحشرُ الأرواحِ، والملتقى الأسمى الذي اختارَهُ الحقُّ سبحانهُ ليكونَ ميثاقًا للإعلانِ عن سيادةِ الإنسانِ الكاملِ؛ حيثُ اكتملَ شملُ الأنبياءِ والمرسلينَ قاطبةً في رحابِ بيتِ المقدسِ، فاصطفوا صفوفًا تملؤُها الهيبةُ والإجلالُ، ليكونوا في استقبالِ سيدِ ولدِ آدمَ، ومن خلالِ هذا المشهدِ القدسيِّ يتجلى تعظيمُ الأمةِ المحمديةِ لقدرِ هؤلاءِ الأنبياءِ، فهيَ تلكَ الأمةُ الوارثةُ لفيضِهم، والجامعةُ لأسرارِ حقائقِهم، وفي كلِّ رسولٍ قبسًا من جمالِ الشرعِ، حتى غدا المسجدُ الأقصى في تلكَ الليلةِ شاهدًا على أفضلِ جمعٍ عرفتهُ البشريةُ في تاريخِها ليتحققَ قولُ الجنابِ المعظمِ (صلى الله عليه وسلم): «الأنبياءُ إخوَةٌ لعَلَّاتٍ: دِينُهم واحِدٌ، وأُمَّهاتُهم شَتَّى».
تعظيم وإجلال الجناب النبوي
إن ليلةَ الإسراءِ والمعراجِ كانتْ مشهدًا كونيًّا تجلتْ فيهِ أسمى آياتِ التعظيمِ والإجلالِ للجنابِ النبويِّ الشريفِ من قبلِ الملائكةِ والأنبياءِ، فبمجردِ أن وطئتْ قدماهُ الشريفتانِ رحابَ بيتِ المقدسِ، انحنتْ هاماتُ التاريخِ طاعةً، واصطفَّ موكبُ الأنبياءِ والمرسلينَ في خشوعٍ وجلالٍ، يقدمونَ للنبيّ (صلى الله عليه وسلم) آياتِ التوقيرِ والتبجيلِ، معترفينَ بإمامتِه المطلقةِ التي لا تدانيها رتبةٌ، فكانوا خلفَهُ صفوفًا تملؤُها المهابةُ، يأتمرونَ بأمرِه ويقتبسونَ من نورِه، ثم استمرَّ هذا الاحتفاءُ الإلهيُّ حينَ فُتحتْ لهُ أبوابُ السماواتِ العُلى، فكانَ في كلِّ سماءٍ موكبٌ من الملائكةِ المقربينَ يحيطونَ بهِ في حفاوةٍ بالغةٍ، يزفُّونَ سيدَ ولدِ آدمَ بسلامٍ يملأُ الآفاقَ، ويشاهدونَ فيهِ سرَّ اللهِ المودعِ في بريتِه.
اكتمال جلال مكة باستحضار مهابة الأقصى
تتطرق الخطبة الثانية إلى مكانة المسجد الأقصى المباركَ باعتباره الشقيقُ الروحانيُّ والمتممُ القدسيُّ للمسجدِ الحرامِ، فقد ربطَ الحقُّ سبحانهُ بينهما برباطٍ وثيقٍ في أزليةِ التقديرِ، فجعلَ من الكعبةِ المشرفةِ منطلقًا للأنوارِ، ومن بيتِ المقدسِ مستقرًا للأسرارِ ومصعدًا لملكوتِ السماواتِ، وتلكَ الأخوةُ المتينةُ بين المسجدينِ تزرعُ في وجدانِ الأمةِ المحمديةِ عظمةً تملأُ الآفاقَ، إذ يكتملُ جلالُ مكةَ في القلوبِ باستحضارِ مهابةِ الأقصى، بكونِه القبلةَ الأولى التي توجهتْ إليها وجوهُ الأنبياءِ، والمحرابَ الذي شهدَ تلاقيَ ركبِ النبوةِ في أعظمِ محفلٍ عرفَهُ الوجودُ، فتعظيمُنا للأقصى جزءٌ أصيلٌ من تعظيمِنا للحرمِ، وعزتُنا بمقدساتِنا وحدةٌ واحدةٌ تجمعُ بين البيتِ العتيقِ وبيتِ المقدسِ في نسيجٍ من القداسةِ والمجدِ يورثُنا الفخرَ والاعتزازَ، ليعلمَ العالمُ أجمعُ أن هذهِ الأمةَ هيَ الحارسةُ لبيوتِ اللهِ، والوارثةُ لعهودِ الأنبياءِ، والمؤتمنةُ على تلكَ الرابطةِ التي وثقَها الوحيُ الإلهيُّ، وامتدتْ بركتُها في تلكَ الطائفةِ المنصورةِ التي اختصَّها الجنابُ النبويُّ بالبشارةِ والمديحِ في قولِه: «لا تزالُ طائفةٌ من أمتي على الحقِّ ظاهرينَ، لعدوِّهم قاهرينَ، لا يضرُّهم من خالفَهم إلا ما أصابَهم من لأواء، حتى يأتيَ أمرُ اللهِ وهم كذلكَ. قالوا: يا رسولَ اللهِ، وأينَ هم؟ قالَ: ببيتِ المقدسِ وأكنافِ بيتِ المقدسِ».

