رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الخجل بين الجينات والبيئة: متى يصبح طبعاً طبيعياً ومتى يتحول إلى قيد؟

صورة تعبيرية عن الخجل
صورة تعبيرية عن الخجل

الخجل شعور يتكرر في حياتنا أكثر مما نتوقع. قد يظهر فجأة عندما نقف بين جمع من الناس، أو حين نتلقى دعوة لحفل مزدحم بالغرباء، أو عند الاستعداد لإلقاء كلمة أمام جمهور ينتظر منا أن نبدو واثقين ومتمكنين. في تلك اللحظات، يسيطر الارتباك، ويزداد تسارع ضربات القلب، وقد نشعر حتى بقشعريرة تجتاح الجسد. لكن السؤال هنا: هل الخجل مجرد حالة نفسية عابرة نكتسبها من تجارب الحياة، أم أن له جذوراً أعمق ترتبط بالجينات والبيئة معاً؟

 

الكثيرون يظنون أن الخجل طبع شخصي يولد مع الإنسان، بينما يراه آخرون نتاجاً للتنشئة والظروف الاجتماعية. وبين هذا وذاك، يكشف العلم أن الأمر أعقد بكثير، وأن الوراثة والبيئة يتداخلان بشكل وثيق في تشكيل هذه السمة التي قد تبدو بسيطة، لكنها قادرة على التأثير العميق في مسار حياتنا وعلاقاتنا.

 

وفقًا لما ذكرته شبكة الـ BBC فتوضح ثاليا إيلي، أستاذة علم الوراثة السلوكي القابل للتطور في جامعة كينغز كوليدج لندن، أن الخجل يُعتبر طبعاً مرتبطاً بالحالة المزاجية منذ الطفولة.

 

دور الوراثة والبيئة

 

الدراسات التي أجريت على التوائم المتماثلة وغير المتماثلة كشفت الدور الكبير للجينات في تشكيل شخصية الفرد. ومع ذلك، فإن تأثير البيئة يبقى أكثر أهمية. فالعوامل الوراثية قد تدفع الطفل الخجول إلى الانعزال في فناء المدرسة بدلاً من مشاركة الآخرين اللعب، ما يعزز مع الوقت ميله للوحدة. لكن إيلي تشدد على أن الخجل لا ينجم فقط عن الوراثة أو البيئة، بل هو نتاج تداخل الاثنين معاً، وهو ما يفتح المجال أمام علاجات نفسية لتغييره.

 

هل الخجل صفة سلبية؟

 

تقول كلوي فوستر، خبيرة علم النفس السريري في لندن، إن الخجل في حد ذاته أمر طبيعي ولا يمثل مشكلة إلا إذا تحول إلى قلق اجتماعي. حينها يبدأ الشخص في تجنب مواقف حياتية ضرورية، مثل الحديث مع الزملاء أو التفاعل في بيئة العمل، لأنه يشعر بأنه يخضع دوماً لتقييم الآخرين.

وتضيف إيلي أن هناك أسباباً تطورية أيضاً؛ فوجود أفراد أكثر حذراً داخل الجماعة كان قديماً يساعد على حمايتها من المخاطر. ولهذا، قد يكون لبعض درجات الخجل جانب مفيد.

طرق للتغلب على الخجل

 

يُعد العلاج السلوكي المعرفي أكثر الأساليب فعالية لمعالجة مشكلات الخجل والقلق الاجتماعي، إذ يركز على تغيير أنماط التفكير والسلوك. فبدلاً من وضع معايير مرتفعة للغاية عند التحدث أمام جمهور، يمكن للشخص أن يخفف الضغوط بالتوقف القصير لالتقاط الأنفاس أو بالتركيز على الجمهور أكثر من التركيز على ذاته.

كما أن مواجهة المواقف الاجتماعية تدريجياً تُعزز الثقة بالنفس، خصوصاً إذا حاول الفرد تغيير أسلوبه وتحديد أكثر ما يخيفه.

اختلاف النظرة الثقافية للخجل

 

جيسي صن، طالبة دكتوراه في علم نفس الشخصية، تميز بين الخجل والانطواء. ففي الغرب يُقدّر الانفتاح والثقة بالنفس، بينما تُفضل في مجتمعات آسيوية مثل اليابان والصين السلوكيات الهادئة والمتحفظة. وحتى مسألة التواصل البصري تختلف من ثقافة إلى أخرى، إذ يُعد ضرورياً في الغرب، بينما يُعتبر تحدياً أو قلة احترام في بعض الثقافات الآسيوية والأفريقية.

 

ورغم هذه الفوارق، أظهرت الدراسات أن الأشخاص المنفتحين غالباً أكثر سعادة في مختلف البلدان، لكن ذلك لا يجعل من الانطواء أو الخجل شيئاً سلبياً بالضرورة. وكما تقول سوزان كاين في كتابها "الصمت: قوة الانطوائيين في عالم لا يستطيع الكف عن الحديث"، ليس على المرء أن ينظر إلى الانطواء وكأنه عيب أو مرض، فالمقدرة على التعبير لا ترتبط دائماً بقدرة الشخص على التفكير العميق وإنتاج الأفكار الجيدة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء