المرض النفسي وضعف الإيمان.. هل تربطهما علاقة؟ أمين فتوى يوضح|خاص
تعد الصحة النفسية من الأمور المثيرة للجدل على مر العصور، فبينما ينظر البعض إلى الاكتئاب على أنه مرض نفسي مثله مثل الألم الجسدي، هناك من يراه ضعف إيمان وعدم قرب من الله، وسوء ظن بالله تعالى، فتجد نتيجة لذلك أشخاص شتى يعانون من الألم النفسي في صمت، حتى لا يتهمهم الناس بقلة الإيمان، وهو الأمر الذي يفتح الباب أمام العديد من التساؤلات، يأتي على رأسها، سؤال: هل المرض النفسي ضعف إيمان؟

هل المرض النفسي ابتلاء أم ضعف إيمان؟
وفي هذا السياق، قال الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن الاكتئاب لا يعد بالضرورة علامة على ضعف الإيمان، بل هو في جوهره ابتلاء ومرض، يجب التفرقة فيه بين الحزن الطبيعي الذي يمر به كل إنسان، وبين الاكتئاب كحالة مرضية لها أسباب نفسية وعضوية معروفة.
وأوضح في تصريح خاص لـ"إيجبتك"، أن الله تعالى يبتلي عباده بألوان متعددة من الابتلاءات؛ فيبتليهم في الأبدان بالأمراض، ويبتليهم في النفوس بالهم والقلق والاكتئاب.
ولفت إلى أن أنبياء الله، وهم صفوة الخلق، مروا بحالات حزن شديدة، فالنبي يعقوب عليه السلام فقد بصره من شدة الحزن على ابنه يوسف، والنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- عاش عامًا كاملًا من الحزن بعد وفاة زوجته خديجة وعمه أبي طالب، حتى سمي ذلك العام بـ"عام الحزن"، مؤكدًا أن هذا الحزن لم يكن يومًا دليل ضعف إيمان، بل تعبيرًا عن الطبيعة الإنسانية التي لا تتعارض مع الإيمان، وإنما ينظمها الإيمان ويهذبها.
البعد عن الله وعلاقته بالمرض النفسي
وذكر أمين الفتوى أن الابتعاد عن ذكر الله قد يكون أحد أسباب الضيق النفسي، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾، مشددًا في الوقت ذاته، على أن هذا ليس السبب الوحيد، منوهًا أن هناك مؤمنون صالحون يصابون بالاكتئاب كما يصابون بأي مرض عضوي، نتيجة خلل كيميائي في المخ أو ضغوط حياتية قاسية، دون أن يكون لإيمانهم ذنب في ذلك.
وأضاف أن الفارق الجوهري بين المؤمن وغيره عند الإصابة بالاكتئاب لا يتمثل في الشعور بالألم، بل في كيفية التعامل معه؛ فالمؤمن يتألم ويتداوى، لكنه راضٍ بقضاء الله، لا يعترض ولا ييأس، بينما قد يدفع ضعف الإيمان بعض الناس إلى السخط أو القنوط من رحمة الله.
هل العلاج النفسي يتعارض مع التوكل على الله؟
وفيما يخص العلاج النفسي، أكد الدكتور هشام ربيع، أن اللجوء إلى العلاج النفسي لا يتعارض مع التوكل على الله، بل هو من تمام التوكل، شارحًا أن التوكل لا يعني ترك الأسباب، وإنما الجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد القلبي على الله.
واستشهد على ذلك بما ورد عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاء"، مشددًا على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفرق بين مرض الجسد ومرض النفس.
الطبيب سبب والشفاء من الله
وأوضح أمين الفتوى أن الطبيب النفسي والعلاج الدوائي أو السلوكي، ما هم إلا أسباب سخرها الله تعالى لعباده، وأن الذهاب إلى الطبيب النفسي يشبه تمامًا الذهاب إلى طبيب القلب أو الباطنة، متابعًا: النفس جزء من كيان الإنسان، تمرض كما يمرض الجسد، والتوكل الصحيح هو أن يأخذ الإنسان بالأسباب المادية، ويجمع معها الدعاء واللجوء إلى الله.
هل يأثم المريض النفسي على التقصير في العبادة؟
وفيما يخص تقصير المريض النفسي في العبادات، أفصح أمين الفتوى أن الأصل الشرعي هو أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وأن المريض النفسي، خاصة في حالات الاكتئاب الشديد، قد يفقد الطاقة والدافعية تمامًا، وهو عرض من أعراض المرض، وقد يعجز عن القيام بأبسط المهام اليومية.
ونوه أن الشريعة الإسلامية راعت أحوال الإنسان وطاقته، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، لافتًا إلى أنه في حال عجز المريض النفسي عن أداء العبادة على صورتها الكاملة، فله أن يؤديها بما يستطيع، فالعبرة بالقدرة لا بالشكل.
وشدد على أن المطلوب من المريض النفسي هو ألا يستسلم، وأن يحاول قدر استطاعته، حتى لو اقتصر على الفروض دون النوافل، أو قرأ القليل من القرآن، فالأهم أن يظل حبل الوصل مع الله قائمًا، مهما بدا ضعيفًا، لأن الله يعلم صدق النيات ويجزي على المحاولة والمجاهدة.
وحذر في نهاية حديثه، من اتخاذ المرض النفسي ذريعة لترك العبادة كليًا مع وجود القدرة، مبينصا أن كل إنسان أدرى بحاله، وأن الله تعالى مطلع على القلوب، يعلم الصادق من المتكاسل، ويحاسب كل عبد بعدله ورحمته.