بين تراجع سنوي وصعود شهري.. تقرير لـ«إيجبتك» يفك شفرة التضخم في مصر
جاء إعلان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن انخفاض معدل التضخم السنوي في مصر عند مستوى 10.3% خلال ديسمبر 2025، مقابل تسجيل ارتفاع طفيف في مؤشر أسعار المستهلك على أساس شهري، لتعود معه تساؤلات عديدة إلى الواجهة حول دلالات الأرقام، وما إذا كانت ستنعكس على مؤشرات الاقتصاد المصري الكلي أم أنها ستبقى مجرد مؤشرات إيجابية تعكس نمو الاقتصاد مع استمرار الضغوط المعيشية على المواطنين.
وفي حين يرى عدد من الخبراء أن تراجع مؤشرات التضخم تعد بداية انفراجه حقيقية في مسار الأسعار يرى آخرون أنها مجرد تهدئة مؤقتة في وتيرة الغلاء، ويرصد «إيجبتك» في قراءة اقتصادية، كيف سينعكس تباطؤ التضخم السنوي على المواطن والاقتصاد الكلي والسياسة النقدية، في ظل محاولات الدولة تحقيق توازن دقيق بين كبح التضخم ودعم النمو، ومع ترقب الأسواق لتحركات البنك المركزي خلال عام 2026، ومردود ذلك على مؤشرات الاقتصاد المصري والبورصة المصرية وقطاع البنوك.
كيف يحتسب معدل التضخم؟
معدل التضخم السنوي هو عبارة عن معدل التغير السنوي في "12 شهر" حيث تحتسب تكلفة سلة ثابتة من السلع والخدمات التي يشتريها المواطن المصري، وتتمثل السلة فيما يلي: "40% مواد غذائية، 18.4% وقود وطاقة، 6.3% رعاية طبية، 5.7% مواصلات، 5.4% ملابس، 4.6% تعليم، 4.4% مطاعم ومقاهي، 3.8% تجهيزات منزلية، 3.7% خدمات متنوعة، 3.1% اتصالات، 2.4% ترفيه، 2.2 منتجات ذات صلة."

ويتم استخدام السلة من السلع لاحتساب مؤشر أسعار المستهلك، وبعد ذلك يتم ذلك مقارنة رقم مؤشر أسعار المستهلك مع نفس الرقم منذ 12 شهر مضت، وهو ما يقودنا لما يعرف باسم "معدل التضخم السنوي".
تراجع التضخم السنوي لا يعني تراجع الأسعار
وأشارت البيانات إلى أن تراجع التضخم السنوي لا يعني بالضرورة تراجع الأسعار بقدر ما يعكس انخفاض وتيرة زيادتها مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، وهو ما يعرف اقتصاديًا بتراجع "عزم التضخم"، في المقابل فإن استمرار صعود مؤشر أسعار المستهلك شهريًا يؤكد أن الأسعار لا تزال ترتفع وإن كان بوتيرة أبطأ، ما يفسر استمرار شعور المواطن بغلاء المعيشة رغم استقرار الرقم السنوي المعلن.
والتباين بين القراءة السنوية والشهرية يفسر الفجوة القائمة بين الإحساس المعيشي للمواطن والرؤية الرسمية للأداء الاقتصادي، فالمواطن يتعامل مع السعر النهائي للسلع والخدمات، خاصة الغذاء والإيجارات، بينما تركز الحكومة وصانع السياسة النقدية على معدل التغير السنوي، الذي بدأ يفقد زخمه بعد فترة طويلة من التسارع، ما يعطي انطباعًا بتحسن نسبي في السيطرة على التضخم.

آثار تراجع معدلات التضخم سنويًا
تراجع معدلات التضخم على أساس سنوي تؤكد بداية دخول الاقتصاد المصري مرحلة جديدة من التوازن النسبي في الأسواق، مدعومة باستقرار سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، ويتوقع أن يؤدي التراجع إلي تحسن التوقعات بشأن النمو خلال 2026.
وفيما يتعلق بالمواطن، فإن تباطؤ التضخم السنوي قد لا يعود على مستوى الأسعار، لكنه يمثل إشارة إلى احتمالات تحسن تدريجي في القوة الشرائية على المدى المتوسط، حال استمرار هذا الاتجاه.
قد يعجبك.. استبيان|10 خبراء يحددون أخطر 4 ملفات اقتصادية أمام الحكومة في 2026
وعلى صعيد السياسة النقدية، فإن تراجع التضخم يمنح البنك المركزي مساحة أوسع للحركة خلال 2026، دون ضغوط فورية لاتخاذ قرارات حادة، فمن المرجح أن يتجه المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة في المدى القريب، مع دراسة خفض تدريجي، حال تأكد استدامة تباطؤ التضخم وتراجع الضغوط الأساسية، بما يحقق توازن بين دعم النمو وعدم إعادة إشعال موجة تضخمية جديدة.

ووفقًا للبيانات الاقتصادية الرسمية فأن تراجع معدلات التضخم مع توقعات بأن يشهد عان 2026 انخفاض تدريجي في أسعار الفائدة سينعكس بشكل إيجابي على الاقتصاد الكلي، من خلال خفض تكلفة التمويل، وتنشيط الاستثمار، ودعم القطاع الخاص، وتحسين معدلات التشغيل، كما سيسهم في تخفيف أعباء خدمة الدين، ويمنح الحكومة مساحة مالية أوسع لإعادة توجيه الموارد نحو الإنفاق التنموي والاجتماعي.
ورغم أن خفض الفائدة المحتمل قد يضغط على هوامش الربحية قصيرة الأجل، إلا أنه يدعم توسع الإقراض وزيادة النشاط الاقتصادي، وتحسن جودة الأصول على المدى المتوسط، ما يعوض البنوك عن تراجع عوائد الفائدة المرتفعة ويحول النمو نحو النشاط الحقيقي.
التضخم والبورصة
تمثل قراءة التضخم الحالية نقطة دعم نفسية للمستثمرين، حيث تميل البورصة المصرية إلى التفاعل الإيجابي مع مؤشرات استقرار الأسعار وتوقعات خفض الفائدة، ويتوقع أن تستفيد قطاعات مثل العقارات والصناعة والخدمات المالية غير المصرفية من أي تحسن في مناخ الائتمان وتراجع تكلفة الاقتراض، ما قد يدعم الأداء العام للمؤشرات خلال 2026.
يرى عدد من الخبراء أن انخفاض معدل التضخم السنوي في مصر عند 12.3% خلال ديسمبر 2025، رغم الارتفاع الشهري بنسبة 0.1% المحدود في الأسعار، يمثل إشارة أولية إلى دخول الاقتصاد مرحلة جديدة من إعادة ضبط السياسة النقدية، بعد فترة طويلة من التشديد بهدف كبح الضغوط التضخمية.
إقرأ أيضًا.. «بضاعة أتلفها النوى».. «إيجبتك» يقتحم أوكار البن المغشوش|خاص
وفي هذا السياق قال الدكتور إسلام جمال الدين الخبير الاقتصاد، إن قراءة التضخم الأخيرة قد تكون بداية فعلية لتحول تدريجي في توجهات السياسة النقدية خلال 2026، موضحًا أن ثبات التضخم السنوي عند مستوى أقل من توقعات السوق يؤكد نجاح أدوات البنك المركزي في امتصاص الصدمات، وبدء انكسار الزخم التضخمي، حتى وإن لم تظهر آثاره بعد على المستوى المعيشي.
وأضاف جمال الدين في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك" أن البنك المركزي بات يمتلك مساحة أوسع للمناورة مقارنة بالعامين الماضيين، خاصة في حال استمرار البيانات في تسجيل تباطؤ مماثل خلال الربع الأول من 2026، وهو ما قد يدفع نحو خفض تثبيت الفائدة في المدى القريب، تمهيدًا لخفض تدريجي ومدروس لاحقًا، دون المخاطرة بإعادة إشعال موجات تضخمية جديدة، مؤكدًا أن أي تحرك سيكون حذرًا ويراعي التوازن بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار.
السياسة النقدية ستتحول من الدفاع ضد التضخم إلى مرحلة دعم النمو
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن خفض الفائدة حال حدوثه، لن يكون هدفًا في حد ذاته بل أداة لتحفيز الاستثمار وتقليل تكلفة التمويل، ودعم النشاط الاقتصادي الحقيقي، خاصة في قطاعات الإنتاج والصناعة، لافتًا إلى أن 2026 قد تشهد انتقال السياسة النقدية من مرحلة الدفاع ضد التضخم إلى مرحلة دعم النمو المشروط بالاستقرار.
في المقابل، يركز خبير أسواق المال حسام عيد، على التأثير المباشر وغير المباشر لبيانات التضخم الأخيرة على البورصة المصرية، معتبرًا أن استقرار التضخم السنوي يمثل عامل دعم نفسي مهم للأسواق، حتى قبل أي قرارات رسمية بشأن الفائدة، موضحًا أن الأسواق المالية بطبيعتها تتحرك على التوقعات وليس القرارات الفعلية.
وأكد محلل الأسواق المالية حسام عيد في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك" على أن البورصة المصرية تاريخيًا تستجيب بشكل إيجابي لأي إشارات تهدئة في التضخم، لأن ذلك يعزز احتمالات خفض الفائدة، ويزيد من جاذبية الأسهم مقارنة بالأدوات ذات العائد الثابت، مشيرًا إلى أن انخفاض عزم التضخم، حتى مع استمرار الارتفاع الشهري، يعد إشارة مبكرة لتحسن بيئة الاستثمار.
العقارات والصناعة أكثر المستفيدين
وأضاف عيد أن القطاعات الأكثر استفادة من هذا المسار هي العقارات، والصناعة، والخدمات المالية غير المصرفية، نظرًا لاعتمادها الكبير على التمويل، بينما قد تشهد أسهم البنوك أداءً متوازنًا، مع انتقال التركيز من الأرباح الاستثنائية الناتجة عن أسعار الفائدة المرتفعة إلى نمو النشاط الائتماني وزيادة حجم الأعمال.
وأوضح خبير الأسوق المالية أن استمرار استقرار التضخم خلال الشهور المقبلة قد يفتح الباب أمام موجة إعادة تسعير إيجابية للأسهم، خاصة إذا تزامن ذلك مع تحسن مؤشرات السيولة وثقة المستثمرين، موضحًا أن البورصة تظل مرآة مبكرة لأي تحول اقتصادي، وغالبًا ما تسبق الاقتصاد الحقيقي بخطوة.

