البرلمان من نافذة المحكمة الدستورية.. قراءة في تاريخ الحل والبطلان|تقرير
أصدر الحقوقي سعيد عبد الحافظ، المحامي بالنقض، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، دراسة قانونية تحليلية بعنوان "البرلمان من نافذة المحكمة الدستورية كيف حسمت المحكمة الدستورية مصير البرلمانات في مصر؟
البرلمان بوابة الإصلاح
وقال "عبدالحافظ" خلال الدراسة التي نشرها، إن البرلمان بوابة الإصلاح وهو بهذا المفهوم لا يعد مجرد مؤسسة تشريعية تولد مع كل انتخابات وتستمر حتى نهاية مدتها الزمنية المحددة، بل إنه مزيج من توافق إرادات الناخبين مع النص الدستوري، ويخضع في وجوده واستمراره لاختبار صندوق الاقتراع من ناحية، ورقابة الدستور من ناحية أخرى.
ومن هنا تحديدا نشأت واحدة من أكثر الظواهر الدستورية تعقيدا في التجربة المصرية، وهي ظاهرة حل البرلمان بموجب أحكام قضائية صادرة عن المحكمة الدستورية العليا.
وتابع، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو ما دعا البعض في لحظات التوتر السياسي أو الجدل الانتخابي أو حتى من قبيل المكايدة السياسية ، أن ينظروا إلى حل البرلمان بوصفه حدثا استثنائيا أو إجراء سياسيا، أو حتى كصراع بين السلطات، بينما تكشف القراءة الهادئة والمتأنية للتاريخ القضائي للمحكمة الدستورية العليا عن صورة مختلفة وأكثر تعقيدًا، فالأحكام التي انتهت إلى حل مجلس الشعب لم تصدر في فراغ، ولم تكن تعبيرا عن موقف سياسي، وإنما جاءت "في جوهرها" بوصفها نتيجة قانونية لازمة لاختلالات دستورية وصفت من المحكمة نفسها بأنها تمس أسس العملية الانتخابية وسلامة التمثيل النيابي.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في هذه الظاهرة من زاوية قانونية تحليلية، تعيد ترتيب الوقائع بعيدا عن الانطباعات تفصل بين ما هو سياسي عارض، وما هو دستوري مستقر فالدستور، في تصور المحكمة الدستورية العليا، لا يكتفي بتنظيم مواعيد الانتخابات أو تحديد عدد المقاعد، وإنما يضع معايير حاكمة لا يجوز تجاوزها، وفي مقدمتها مبادئ المساواة، وتكافؤ الفرص، والتمثيل العادل والوزن النسبي للصوت الانتخابي.
وعندما يُخل التشريع الانتخابي بهذه المعايير إخلالا جوهريا، فإن أثر ذلك لا يتوقف عند حدود النص المطعون عليه، بل يمتد إلى صميم البنية التي قام عليها المجلس النيابي ذاته.
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها في ضوء ما يثار، بين الحين والآخر، من نقاشات حول احتمالات الطعن بعدم دستورية المجالس المنتخبة، أو التشكيك في سلامة تكوينها، أو الخلط بين مفهومي الحل السياسي والبطلان الدستوري.
ففي كثير من الأحيان يستدعى تاريخ حل البرلمانات دون تدقيق في أسبابه أو أسسه، ويُوظف خارج سياقه القانوني، بما ينتج قراءة مبتسرة بل وركيكة لا تخدم الفهم الدستوري ولا النقاش العام الموضوعي.
ولا تسعى هذه الدراسة إلى التنبؤ بمصير أي مجلس نيابي قائم أو قادم، ولا تنخرط في تقييم تشريعات بعينها، وإنما تهدف إلى غاية أكثر تواضعا وأكثر ضرورة في أن واحد وهي استخلاص القواعد الدستورية التي حكمت بها المحكمة الدستورية العليا عبر عقود متعاقبة، وتحليل المنطق القضائي الذي ربط بين عيوب التشريع الانتخابي وبين بطلان التكوين النيابي، فالفهم الصحيح الحدود تدخل القضاء الدستوري، ولطبيعة الأثر المترتب على أحكامه، يمثل شرطاً أساسيًا لأي نقاش جاد حول استقرار المؤسسات المنتخبة.
كما تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مؤداها أن سلامة التمثيل النيابي ليست مسألة إجرائية أو شكلية، بل هي جوهر العقد الدستوري بين المواطن والدولة. فالصوت الانتخابي لا يكتسب قيمته فقط من وضعه في صندوق الاقتراع، وإنما من كونه جزءا من عملية متكافئة وعادلة تحترم الوزن النسبي للأصوات وتكفل تكافؤ الفرص بين المرشحين، دون تمييز أو تحيز تشريعي مسبق، وحين يختل هذا التوازن، فإن الخلل لا يصيب مرشحا بعينه، بل يمس شرعية التمثيل ذاته.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الدراسة بوصفها قراءة في البرلمان" من نافذة المحكمة الدستورية، لا لتقويض فكرة البرلمان، ولا للتشكيك في الإرادة الشعبية، وإنما لفهم الشروط الدستورية التي تحمي هذه الإرادة من أن تفرغ من مضمونها. فالمحكمة
الدستورية العليا، حين حسمت في لحظات فارقة مصير البرلمانات، لم تكن تقف في مواجهة الصندوق، بل كانت - وفق منطقها القضائي - عين تحرس الصناديق من عيوب تشريعية تهدد مفهومي العدالة والمساواة.
كما أنه تجدر الإشارة إلى أن هناك أحكام صدرت خلال عامي 2013 و 2015 قضت فيه المحكمة ببطلان تقسيم الدوائر ولم يترتب عليهما حل مجلس الشعب حيث انهما كانا قبل انعقاد المجلس ، وهما الحكم الصادر في الدعوى رقم 2856 لسنة 67 قضائية من محكمة القضاء الإداري بتاريخ 6 مارس 2013، وحكم المحكمة الدستورية الصادر في الدعوى رقم 15 لسنة 37 قضائية دستورية الصادر بتاريخ الأول من مارس عام 2015 ، حيث حكمت فيه المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص المادة الثالثة من قرار رئيس الجمهورية رقم 202 لسنة 2014 في شأن تقسيم دوائر انتخابات مجلس النواب، في مجال انطباقه على الانتخاب بالنظام الفردي.
وتخلص هذه الدراسة إلى أن السؤال الحقيقي ليس متى يُحل البرلمان؟ بل متى يكون البرلمان قد نشأ نشأة دستورية سليمة؟ فبين هذين السؤالين تتحدد المسافة الفاصلة بين الاستقرار النيابي والاضطراب الدستوري، وهي المسافة التي سعت هذه الدراسة إلى إضاءتها، ورسم طريق المشروعية عبر تتبع السوابق القضائية وتحليل معاييرها، في محاولة لتقديم فهم أكثر اتزانا الدور القضاء الدستوري في النظام السياسي المصري.
ملخص الدراسة
تهدف هذه الدراسة إلى استعراض وتحليل السوابق القضائية الصادرة عن المحكمة الدستورية العليا في مصر، والتي انتهت إلى حل مجلس الشعب أو بطلان تكوينه، مع التركيز على الأسس الدستورية التي استندت إليها المحكمة في كل حالة، وبصفة خاصة ما يتعلق بمبادئ المساواة، وتكافؤ الفرص، وسلامة التمثيل النيابي، والوزن النسبي للصوت الانتخابي.
ويلاحظ من استقراء هذه السوابق أن الغالبية العظمى من حالات حل مجلس الشعب لم تكن نتيجة قرارات سياسية مباشرة، وإنما جاءت ثمرة لأحكام قضائية بعدم دستورية قوانين الانتخابات أو بعض نصوصها الجوهرية، بما أدى إلى بطلان العملية الانتخابية أو بطلان تكوين المجلس ذاته.
كما تؤكد هذه السوابق أن الإخلال الجسيم بالمباديء الدستورية الحاكمة للعملية الانتخابية يُعد سببًا كافيًا لبطلان المجلس ككل، باعتبار أن سلامة التمثيل النيابي شرط دستوري جوهري لا يقبل التجزئة.
ويختتم التقرير بتحليل بنيوي لهذه السوابق بهدف استخلاص القواعد العامة والمعايير الدستورية التي تحكم مسألة الطعن بعدم دستورية المجالس النيابية، دون الانصراف إلى التنبؤ أو الحكم المسبق على أوضاع مستقبلية بعينها.
الفصل الأول: جدول موجز بأحكام المحكمة الدستورية العليا المؤدية إلى حل مجلس الشعب.


