خبير مصرفي: الدين العام وطموح الـ50%.. إصلاح حقيقي أم «مكياج محاسبي»؟
قال الخبير المصرفي الدكتور هاني أبو الفتوح، إن رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، أعلن عن استهداف خفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 50%، وهو مستوى لم تسجله مصر منذ أكثر من خمسين عامًا، مقارنة بنسبة 82.9% في الربع الثالث من عام 2025، وفق بيانات البنك المركزي المصري.
وأشار في تصريحات خاصة لـ "ايجبتك" إلى أن هذا الإعلان جاء متزامنًا مع المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج صندوق النقد الدولي، وسط إشادة رسمية بتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي، حيث بلغ معدل النمو 5.3% في الربع الثالث، فيما تراجع التضخم إلى 12.3% خلال نوفمبر.
وأضاف أبو الفتوح، أنه رغم جاذبية الرقم المستهدف، يظل السؤال الجوهري مطروحًا: هل يعكس هذا الخفض نموًا اقتصاديًا فعليًا وسدادًا حقيقيًا للدين، أم أنه مجرد تحسين شكلي للمؤشرات عبر ما يمكن وصفه بـ«المكياج المحاسبي» لطمأنة المؤسسات الدولية؟
وأشار إلى أنه قد يختلف المشهد على أرض الواقع إذا اعتمد الخفض على حلول مؤقتة لا تعالج الخلل الهيكلي، وعلى رأسه فجوة الإيرادات المزمنة، فالحكومة تسعى لخفض نسبة الدين من 82.9% إلى 50% خلال 4–5 سنوات، في حين تشير تقديرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن السيناريوهات المتفائلة ضمن «السردية الوطنية للتنمية» تتوقع بقاء النسبة بين 70 و85% بحلول عام 2030 حتى مع تطبيق إصلاحات قوية.
وأوضح أن الطريق الأقرب لتحقيق الخفض السريع يبدو معتمدًا على مبادلة الديون بالأصول السيادية، ولا سيما الدين الخارجي الذي يبلغ نحو 161 مليار دولار، عبر شراكات استراتيجية مع مستثمرين أجانب في قطاعات مثل الطاقة المتجددة أو تطوير الأصول العقارية، ومنها مناطق وسط القاهرة، وفق تصريحات رئيس الوزراء المتعلقة بدور الصندوق السيادي ، أما الدين المحلي، البالغ نحو 11 تريليون جنيه، فيمثل تحديًا أكثر تعقيدًا، وقد يرتبط تخفيفه بتراجع أسعار الفائدة، التي لا تزال عند مستويات مرتفعة تقارب 21%، في ظل استحواذ خدمة الدين على ما يقرب من 80% من إجمالي الإيرادات العامة، بحسب بيانات وزارة المالية للعام المالي 2025-2026.
وأشار إلى أنه إذا كان الخفض المستهدف هيكليًا بالفعل، فإنه يتطلب نموًا إنتاجيًا قويًا وزيادة مستدامة في الإيرادات العامة، التي سجلت أدنى نسبتها إلى الناتج المحلي منذ نصف قرن. وفي هذا السياق، تبرز عدة سيناريوهات محتملة:
السيناريو الأول "الأكثر خطورة" :
نقل جزء من الديون خارج الموازنة العامة إلى الصندوق السيادي أو كيانات مستقلة، ما يحقق خفضًا شكليًا في الأرقام دون تخفيف العبء المالي الحقيقي.
السيناريو الثاني:
التوصل إلى تسويات مع الدائنين تشمل تخفيفًا جزئيًا أو تمديد آجال السداد، وهو مسار محدود الأثر ولا يفضي إلى تراجع تاريخي في النسبة.
السيناريو الثالث:
شطب داخلي غير مباشر عبر التضخم، من خلال التوسع في السيولة وسداد الدين المحلي بقيمة حقيقية أقل، وهو ما يخفض النسبة ظاهريًا، لكن على حساب تآكل مدخرات المواطنين وقدرتهم الشرائية.
السيناريو الرابع (الأكثر استدامة):
تحويل الديون إلى سندات محلية طويلة الأجل مرتبطة بمشروعات إنتاجية حقيقية في قطاعات مثل الزراعة، والطاقة الشمسية، والصناعات التصديرية، مع تحفيز الادخار المحلي ومشاركة القطاع الخاص، وهو خيار يتطلب أعلى درجات الشفافية وإشراك المجتمع المدني.
وأوضح أن فجوة الإيرادات تظل التحدي الأكبر أمام أي خفض مستدام، إذ يجعل انخفاض نسبة الإيرادات إلى الناتج المحلي تحقيق هذا الهدف بالغ الصعوبة دون إصلاحات جذرية، مثل توسيع القاعدة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمي ، أما مبادلة الديون بالأصول، فتطرح تساؤلات جوهرية حول مصير الأصول السيادية، خاصة في قطاعات الطاقة والسياحة، كما حدث في صفقات سابقة مع الإمارات وقطر، في ظل مخاوف من غياب الشراكة المجتمعية وتحمل المواطنين لتكلفة فقدان السيطرة على أصول استراتيجية، سواء بشكل مباشر أو عبر ارتفاع تكاليف المعيشة.
وأضاف أن التجارب السابقة تشير بوضوح إلى أن أي خفض غير مدعوم بإصلاحات هيكلية يعيد إنتاج الأزمة، وتتمثل أبرز المخاطر الحالية في غياب الشفافية بشأن الجداول الزمنية والآليات التنفيذية، وتأجيل الإعلان عن تفاصيل دقيقة، فضلًا عن احتمال توظيف التصريحات سياسيًا للرد على شائعات تتعلق بمستقبل الحكومة عقب انتخابات مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما يضعف الثقة في الخطاب الرسمي.
وأكد أنه مستقبلًا يمكن تصور ثلاث مسارات رئيسية:
السيناريو الأرجح:
خفض جزئي للدين عبر مبادلات الأصول وإصلاحات تدريجية، ليصل إلى نحو 70% بحلول 2030، مع بقاء تحقيق نسبة 50% هدفًا صعب المنال.
السيناريو الأفضل:
نمو إنتاجي قوي مدعوم بزيادة تحويلات المصريين في الخارج، وارتفاع إيرادات السياحة، إلى جانب إصلاحات ضريبية حقيقية توسع القاعدة وتقلص الاقتصاد غير الرسمي، ما قد يجعل الوصول إلى 50% ممكنًا فعليًا.
السيناريو الأسوأ:
تعرض الاقتصاد لصدمات خارجية، كتصاعد التوترات الإقليمية أو ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وهو ما قد يرفع نسبة الدين مجددًا إلى ما يتجاوز 90% ويعيد الضغوط المالية الحادة.
وأكد أبو الفتوح، انخفاض الدين العام إلى مستويات تاريخية يظل ممكنًا من الناحية النظرية، لكنه مشروط بإصلاحات هيكلية حقيقية تعالج جذور الأزمة، وعلى رأسها ضعف الإيرادات واتساع الفجوة الإنتاجية، ومن دون شفافية كاملة في الأدوات والجداول الزمنية، قد يتحول الهدف إلى مجرد رقم دعائي يؤجل الأزمات بدلًا من حلها، كما أن المؤتمر الصحفي المرتقب خلال الأسبوعين المقبلين سيكون اختبارًا حاسمًا لتحديد ما إذا كانت مصر تتجه نحو استدامة مالية حقيقية، أم نحو وعود قد تبدو جذابة اليوم، لكنها تحمل كلفة أعلى على المواطنين غدًا.

