رامي عاشور: غياب الضغط الحاسم من الغرب يمنح روسيا مساحة أوسع للمناورة
أكد الدكتور رامي عاشور، أستاذ العلاقات الدولية، أن التصعيد العسكري المتبادل بين روسيا وأوكرانيا، تتراجع فيه فرص التوصل إلى حلول دبلوماسية شاملة، وسط مخاوف متزايدة من إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات التفاوض، وهذا التصعيد لا يقتصر تأثيره على ساحات القتال فحسب، بل يمتد ليضغط بقوة على أي محاولات سياسية مستقبلية، ويعزز من تصلب مواقف الأطراف المتنازعة، حيث يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سلمية، مشيرًا إلى أن الطرف المستفيد من استمرار حالة الجمود هو الطرف الأقوى عسكريًا، أي روسيا، التي تفرض سيطرتها على أجزاء من الأراضي الأوكرانية وتستخدم التصعيد كورقة ضغط سياسية.
روسيا واستراتيجية إطالة أمد الصراع
وأضاف عاشور، خلال مداخلة هاتفية على فضائية اكسترا لايف، أن موسكو تتعامل مع أي تحرك عسكري أو هجوم أوكراني باعتباره مبررًا شرعيًا للاستمرار في العمليات العسكرية ورفض الدخول في اتفاقات سلام ملزمة، وهذا النهج يسمح لروسيا بالحفاظ على الوضع القائم، وتعزيز نفوذها الميداني، مع تقليص فرص أي تسوية لا تخدم مصالحها الاستراتيجية، مضيفًا أن التعنت الروسي في ملف التسوية السلمية يأتي في إطار قراءة دقيقة لموازين القوى الدولية، حيث تدرك موسكو أن غياب الضغط الحاسم من الغرب يمنحها مساحة أوسع للمناورة، خاصة في ظل الانشغال الدولي بملفات أخرى.
وحول حديث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن طرح مسألة التنازل عن بعض الأراضي أو محطة زابوريجيا النووية للاستفتاء الشعبي، أشار إلى أن هذا الطرح يحمل أبعادًا سياسية أكثر من كونه خيارًا واقعيًا قابلًا للتنفيذ، موضحًا أن زيلينسكي يدرك جيدًا أن الشارع الأوكراني سيرفض أي تنازل إقليمي، بعد سنوات من التعبئة القومية ضد الوجود الروسي، وبالتالي يسعى من خلال هذه الخطوة، إلى تحميل الشعب مسؤولية القرار، وإثبات أن الرفض ليس موقفًا شخصيًا بل موقفًا وطنيًا جامعًا.
توظيف الاستفتاء في المعركة الدولية
وأشار أستاذ العلاقات الدولية، إلى أن طرح الاستفتاء يهدف أيضًا إلى إحراج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الساحة الدولية، وتصويره في صورة المحتل، مما يعزز من موقف أوكرانيا التفاوضي أمام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، كما يسهم هذا الطرح في تقوية موقف الغرب، خاصة فيما يتعلق بتشديد العقوبات الاقتصادية، وتجميد الأصول الروسية في أوروبا، واستخدامها لدعم أوكرانيا عسكريًا واقتصاديًا، بما يعمق عزلة موسكو على المستوى الدولي.
وبشأن تكثيف روسيا لاستخدام الطائرات المسيرة في الهجمات الأخيرة، أكد أن هذه المسيرات لا تمثل سلاحًا استراتيجيًا لحسم الحرب بشكل مباشر، لكنها تلعب دورًا محوريًا في تهيئة بيئة عسكرية منهكة للطرف الأوكراني، حيث أن المسيرات تمتلك قدرة تدميرية كبيرة مقارنة بتكلفتها المنخفضة، ما يجعلها أداة مثالية لاستهداف البنية التحتية، والمنشآت الاستراتيجية، والرمزية، بما يبعث برسائل سياسية وعسكرية حول قدرة روسيا على السيطرة وإلحاق خسائر مؤثرة.
رسائل سياسية تتجاوز ساحة المعركة
وأوضح أن استخدام المسيرات لا يستهدف فقط إضعاف القدرات الدفاعية الأوكرانية، بل يوجه رسائل مباشرة إلى المجتمع الدولي مفادها أن موسكو قادرة على مواصلة الحرب بأدوات فعالة ومنخفضة التكلفة، ما يقلل من الضغوط الاقتصادية والعسكرية عليها مقارنة بالأسلحة التقليدية، مشيرًا إلى أن هذا النمط من القتال يعكس تحولًا في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد الكلفة المرتفعة شرطًا لتحقيق التأثير العسكري والسياسي.
ولفت الدكتور رامي عاشور، إلى أن التوصل لتسوية شاملة، يبدو أمرًا مستبعدًا في ظل الفجوة الكبيرة في موازين القوى بين الطرفين، موضحًا أن علم العلاقات الدولية يؤكد صعوبة نجاح الوساطات عندما يكون أحد الأطراف أضعف بشكل واضح، مشيرًا إلى أن أقرب السيناريوهات يتمثل في تهدئة مؤقتة أو اتفاق جزئي، يقوم على تنازلات محدودة من الجانب الأوكراني، ربما بضغط أمريكي، مقابل التزام روسي بعدم توسيع نطاق سيطرتها على مزيد من الأراضي.

