زلزال الـ 200 يوم.. الرابحون والخاسرون فى معركة الرسوم الوقائية على «الصلب»
أزمة جديدة تهدد الصناعات المعدنية والهندسية والعقارات في مصر، بعدما فرض الاتحاد الأوروبي رسوم جمركية شاملة على واردات الصلب، التي تعرف بـ رسوم الإغراق، اعتبارًا من 7 أكتوبر المقبل لفترة تمتد حتى 200 يوم، تبعها تحرك حكومي بفرض رسوم وقائية مؤقتة على بعض منتجات الصلب، حمايةً للصناعة المحلية من الممارسات الضارة في التجارة الدولية.
الأسواق أصبحت على موعد مع زلزال مرتقب إثر تلك التغيرات، لتكون هنالك كفتين أولى رابحة وأخرى خاسرة، إذ تضع هذه التطورات السوق أمام ما يسمى بـ "زلزال الـ200 يوم" الذي يحمل في طياته رابحين وخاسرين، ويهدد بارتفاع أسعار الحديد والصلب ومن ثم العقارات والأجهزة الكهربائية، فيما يمنح ميزة نسبية محدودة لعدد من الشركات المحلية المتكاملة، وعلى رأسها حديد عز.
قرارات الحكومة.. حماية الصناعة أم رفع التكلفة؟
أصدر المهندس حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، ثلاثة قرارات وزارية بفرض رسوم وقائية مؤقتة على بعض منتجات الصلب اعتبارًا من 14 سبتمبر 2025، وذلك بعد نشرها بالجريدة الرسمية في 10 سبتمبر. وأوضح الوزير أن هذه الرسوم تستمر لمدة 200 يوم، وتشمل المسطحات المدرفلة على الساخن والبارد، والصاج المجلفن والملون، إضافة إلى منتجات البيليت.
وتتراوح نسب الرسوم المفروضة ما بين 4.94% و16.2% من القيمة سيف (CIF)، مع تحديد حد أدنى بالطن، حيث بلغت:
- 13.6% للمسطحات المدرفلة على الساخن (حد أدنى 3673 جنيه/طن).
- 11.11% للمسطحات المدرفلة على البارد (حد أدنى 4152 جنيه/طن).
- 12.16% للصاج المجلفن (حد أدنى 4812 جنيه/طن).
- 4.94% للصاج الملون (حد أدنى 2584 جنيه/طن).
- 16.2% لمنتجات البيليت (حد أدنى 4613 جنيه/طن).
وأكد الخطيب أن هذه الخطوة جاءت استجابة لطلبات المصنعين المحليين المتضررين من ممارسات إغراق السوق، مشيرًا إلى أن القرارات المصرية تتماشى مع التزامات الدولة تجاه منظمة التجارة العالمية، ومع القانون رقم 161 لسنة 1998 بشأن حماية الاقتصاد القومي من الممارسات الضارة في التجارة الدولية.
أول ارتدادات السوق.. أسعار الحديد تقفز
لم يتأخر رد الفعل في السوق كثيرًا، إذ أعلنت شركة حديد الجارحي عن رفع سعر طن الحديد تسليم أرض المصنع إلى 37,500 جنيه شامل ضريبة القيمة المضافة (14%) اعتبارًا من 11 سبتمبر 2025. نفس السعر تبنته شركة المراكبي للصلب لمنتجاتها من حديد التسليح، في مؤشر واضح على بدء انتقال أثر الرسوم الوقائية إلى المستهلك.
ورغم محاولات بعض الشركات الكبرى، وعلى رأسها حديد عز، طمأنة السوق من خلال تثبيت الأسعار لمدة 3 أشهر، إلا أن ارتفاع التكلفة على المصانع الاستثمارية وغير المتكاملة يضعف من فرص الاستقرار السعري على المدى المتوسط.
الصناعات المعتمدة على الصاج.. الخاسر الأكبر
أثارت الرسوم الوقائية مخاوف عميقة لدى الصناعات الهندسية والمعتمدة على الصاج مثل الأجهزة الكهربائية، التي تعتمد على استيراد خامات مثل الصاج المجلفن والملون.
وقال المهندس حسن مبروك، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية، إن القرار يتعارض مع مبادرة خفض الأسعار التي أطلقتها الحكومة مؤخرًا لتخفيف الأعباء عن المواطنين، مؤكدًا أن ارتفاع تكلفة الصاج سيترجم مباشرة إلى زيادة أسعار الأجهزة المنزلية.
ارتفاع أسعار الأجهزة الكهربائية حتى 6%
وفي السياق ذاته، توقع محمد المهندس، رئيس غرفة الصناعات الهندسية، أن تشهد أسعار الأجهزة الكهربائية ارتفاعًا بين 5 و6% خلال الفترة المقبلة، بسبب الزيادة في تكلفة المواد الخام. وأضاف أن المصانع الصغيرة والمتوسطة ستكون الأكثر تضررًا نظرًا لصعوبة امتصاص هذه الزيادات، فيما قد تتمكن الشركات الكبرى من تخفيف الأثر عبر إعادة هيكلة خطوط الإنتاج أو التوسع في استخدام الخامات المحلية.
انعكاسات على قطاع العقارات
لم يتوقف التأثير عند حدود الصناعات المعدنية والهندسية، إذ يتوقع أن ينعكس ارتفاع أسعار الحديد والصلب بشكل مباشر على أسعار العقارات. فمع زيادة تكلفة حديد التسليح، الذي يعد أحد المكونات الأساسية في عمليات البناء، سترتفع تكلفة الإنشاءات، وهو ما يضع المطورين العقاريين أمام معادلة صعبة بين تحمل جزء من الأعباء أو تمريرها بالكامل للمستهلك النهائي.
المستفيدون.. الصناعات المتكاملة في الصدارة
في مقابل هذه التحديات، يبرز المستفيد الأكبر من القرارات وهو شركة حديد عز، التي تعتمد على نموذج الإنتاج المتكامل بداية من استخراج الخام وحتى المنتج النهائي. هذا النموذج يقلل من اعتمادها على الواردات، ويتيح لها الاستفادة من حماية السوق من المنافسة الخارجية.
ويرى مراقبون أن حديد عز ستكون في وضع أفضل لمواجهة الزيادات السعرية مقارنة بالمصانع الاستثمارية الأخرى، التي تعتمد بشكل أساسي على استيراد البيليت والخامات نصف الجاهزة.
تثبيت أسعار حديد عز.. رسالة طمأنة مؤقتة للأسواق
في خضم حالة القلق التي اجتاحت الأسواق عقب إعلان الرسوم الوقائية، سارعت شركة حديد عز – أكبر منتج متكامل للصلب في مصر – إلى إرسال رسالة طمأنة لعملائها، مؤكدة تثبيت أسعار حديد التسليح لمدة 3 أشهر، دون أي زيادات مستقبلية خلال هذه الفترة.
وقالت الشركة في بيان رسمي: «ليس من المنتظر حدوث أي زيادات مستقبلية خلال تلك الفترة»، موضحة أن القرار يستند إلى متابعة دقيقة لحركة أسعار الخامات العالمية، وعلى رأسها خام الحديد والبيليت، بالإضافة إلى الفحم والطاقة، وهي المدخلات الأساسية لصناعة الصلب.
ويستقر سعر طن حديد عز عند 38,200 جنيه تسليم أرض المصنع، وهو السعر الذي حافظت عليه الشركة منذ أكتوبر الماضي، في محاولة لموازنة تكلفة الإنتاج مع قدرة السوق الشرائية.
لكن هذا القرار، ورغم ما يحمله من طمأنة آنية للأسواق، يفتح الباب لتساؤلات حول ما بعد انقضاء فترة التثبيت. فخلال الأشهر الثلاثة المقبلة، سيظل السوق قادرًا على استيعاب الصدمات، مدعومًا بتوافر جزء من البضائع التي كانت مُعدّة للتصدير إلى أوروبا وأُعيد توجيهها إلى السوق المصرية لتغذية المصانع الاستثمارية.
غير أن السؤال الأهم يبقى: هل ستكفي هذه الكميات لسد احتياجات السوق بالكامل؟ وإذا لم تكفِ، فهل سيكون بمقدور المصانع التكميلية والهندسية امتصاص الضغوط دون تمرير زيادات جديدة للمستهلك؟
الخبراء يحذرون من أن انتهاء فترة التثبيت قد يمثل نقطة انعطاف حقيقية، إذ أن توازن السوق يعتمد على استمرارية المعروض وثبات الأسعار العالمية للخامات. وإذا ما شهدت تلك الفترة تقلبات جديدة في الأسواق الدولية، فقد تجد الحكومة نفسها مضطرة لاتخاذ إجراءات إضافية لضبط الإيقاع بين المنتجين والمستهلكين.
200 يوم من عدم اليقين
بين حماية الصناعة المحلية من ممارسات الإغراق، وارتفاع التكلفة على المصانع غير المتكاملة والصناعات الهندسية والعقارات، يقف السوق المصري أمام 200 يوم من عدم اليقين. وهناك رابحون وهم الصناعات المتكاملة بقيادة حديد عز، التي ستستفيد من تقليص المنافسة الأجنبية.
بينما الخاسرون فهم كُثر، وعلى رأسهم الصناعات المعتمدة على البيليت والصاج مثل الأجهزة الكهربائية، والمصانع الصغيرة والمتوسطة، وقطاع العقارات الذي سيتحمل جزءًا من الزيادة في أسعار الحديد.
أما المستهلك فيبقى هو الطرف الأضعف الذي سيدفع ثمن الزيادات النهائية في شكل ارتفاع أسعار الأجهزة والعقارات، أو هكذا يبدو "زلزال الـ200 يوم"، معادلة صعبة بين تحقيق الحماية المؤقتة للصناعة المحلية وبين تجنب تداعيات التضخم على السوق والمواطنين.

