رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مخيم اليرموك بعد عام على التحرير.. عودة خجولة وسط دمار واسع

مخيم اليرموك
مخيم اليرموك

بعد مرور عام كامل على تحرير مخيم اليرموك، لا تزال صورة الواقع فيه بعيدة عن ملامح التعافي والاستقرار المنشودين، إذ يقف المخيم عند مفترق طرق حاسم بين الأمل بالعودة والحياة، وبين خطر الانزلاق مجددا إلى الهشاشة والفوضى، في ظل غياب واضح لمؤسسات الدولة وتأخر التدخل الرسمي المنظم القادر على إدارة المرحلة الانتقالية المعقدة، وفقًا لوكالة "قدس برس".

منازل مدمرة جزئيا أو مهددة بالانهيار

فعلى الرغم من عودة آلاف العائلات الفلسطينية إلى المخيم خلال العام المنصرم، فإن هذه العودة تبقى محدودة الأثر ولا تعكس استقرارا فعليا، حيث اضطر كثير من العائدين إلى السكن في منازل مدمرة جزئيا أو مهددة بالانهيار، في مشهد يعكس حجم الدمار الذي خلفته سنوات الحرب والتهجير.

 وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من نصف الأبنية داخل المخيم إما دمرت بالكامل أو أصبحت غير صالحة للسكن، في وقت تسير فيه عملية إعادة الإعمار بوتيرة بطيئة للغاية وتعتمد في معظمها على مبادرات فردية تفوق قدرات غالبية السكان.

مخيم اليرموك 
مخيم اليرموك 

المخيم يعيش حالة انتقالية هشة

وفي هذا السياق، يؤكد الناشط والكاتب الفلسطيني محمد عايد أن مخيم اليرموك يمر بمرحلة شديدة الحساسية، موضحا أن عودة العائلات لا يمكن اعتبارها مؤشرًا على الاستقرار ما لم تترافق مع حضور مؤسساتي فعلي يعالج جذور الأزمة. 

ويرى أن المخيم يعيش حالة انتقالية هشة قد تتفجر في أي لحظة إذا استمر الفراغ الإداري والأمني والقانوني الذي يطبع واقعه اليومي.

ولا تقتصر الأزمة على الدمار العمراني فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى غياب جهة واضحة تدير شؤون المخيم، في ظل انعدام الأطر القانونية التي تنظّم قضايا الملكيات والنزاعات على المنازل والأراضي، وغياب جهاز شرطي محلي أو سلطة قضائية فاعلة. هذا الفراغ، بحسب عايد، يجعل أبسط الخلافات مرشحة للتفاقم والتحول إلى أزمات كبيرة، ويزيد من احتمالات الانفلات والتوتر الاجتماعي.

تدهور حاد في أبسط مقومات الحياة

أما على الصعيد الخدمي، فيعاني مخيم اليرموك من تدهور حاد في أبسط مقومات الحياة. فالمياه الصالحة للشرب شبه معدومة في معظم مناطقه، ما يضطر الأهالي للاعتماد على صهاريج مرتفعة الكلفة أو آبار بدائية غير آمنة صحيا، في حين تشهد الكهرباء انقطاعا شبه كامل، ولا توفر البدائل المتاحة من مولدات أو طاقة شمسية الحد الأدنى من الاحتياجات، حتى لتشغيل مضخات المياه.

 ويزداد المشهد قتامة مع غياب المشافي والمراكز الصحية الرسمية، وانتشار البطالة، وتدني الأجور، وتفاقم الأعباء المعيشية على العائلات العائدة.

الثقة بين الأهالي تراجعت

اجتماعيا، يرزح المجتمع المحلي تحت وطأة إنهاك عميق، في ظل تداخل أوضاع العائدين والمهجرين والمتضررين، وكل منهم يحمل معه جراحا ثقيلة وتجارب قاسية.

 ويشير عايد إلى أن الثقة بين الأهالي تراجعت بشكل ملحوظ، فيما تنتشر الشائعات في غياب إعلام محلي موثوق، وتتحول في بعض الأحيان إلى اتهامات خطيرة تهدد السلم الأهلي وتزيد من هشاشة النسيج الاجتماعي.

مخيم اليرموك 
مخيم اليرموك 

تحويل المخيم إلى ساحة صراع على النفوذ

سياسيا، لا تقل الصورة تعقيدا، إذ يخضع أي تحرك داخل المخيم لتفسيرات وتوظيفات سياسية، وغالبًا ما يُستخدم شعار "خصوصية المخيم" لتبرير غياب الدولة ومؤسساتها، في وقت تسعى فيه بعض الأطراف إلى ملء الفراغ وفرض نفوذها، ما ينذر بتحويل المخيم إلى ساحة صراع على النفوذ بدل أن يكون ورشة لإعادة البناء وإنقاذ ما تبقى من مقومات الحياة.

إدارة مرحلة ما بعد التحرير

ورغم ذلك، برزت خلال الفترة الماضية مبادرات محلية تطوعية، قادتها منظمات وأفراد حاولوا تقديم خدمات أساسية وسد جزء من الفراغ بإمكانات محدودة، في مساعٍ تعكس روح المسؤولية والانتماء.

 إلا أن عايد يشدد على أن هذه الجهود، على أهميتها، لا يمكن أن تشكل بديلا عن الدور المركزي للدولة ومؤسساتها في إدارة مرحلة ما بعد التحرير.

مخيم اليرموك 
مخيم اليرموك 

يعمق عزلته ويحوله إلى نقطة ضعف

ويؤكد عايد أن إبقاء مخيم اليرموك خارج حسابات الدولة بذريعة الخصوصية لا يوفر له الحماية، بل يعمق عزلته ويحوله إلى نقطة ضعف قابلة للانفجار، مشددًا على أن اليرموك جزء لا يتجزأ من سوريا، وأن سكانه يشكلون جزءًا أصيلاً من نسيجها الاجتماعي، وأن أي مقاربة للحل خارج هذا الإطار ستظل ناقصة وهشة وقابلة للانهيار.

وبحسب تقديرات غير رسمية، يتراوح عدد العائلات التي عادت إلى مخيم اليرموك خلال العام الأخير بين خمسة آلاف وستة آلاف عائلة، تعيش غالبيتها في ظروف معيشية قاسية، مع نقص حاد في الخدمات الأساسية، وارتفاع تكاليف المياه والكهرباء، وغياب شبه كامل للرعاية الصحية، فضلا عن محدودية فرص العمل. 

أوضاع المخيم قابلة للانتكاس

ومع استمرار هذه العودة دون تدخل مؤسساتي منظم، تبقى أوضاع المخيم قابلة للانتكاس في أي وقت، ما يجعل التدخل المبكر والجاد من قبل الدولة ضرورة ملحة لتثبيت الاستقرار، وتنظيم العودة، وتسريع وتيرة الإعمار، قبل أن تتراكم الأزمات وتتحول إلى واقع أكثر تعقيدًا وكلفة على الجميع.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء